
الإرهاب في الكرك.. الكواليس الأخرى لخطاب الكراهية
سامح المحاريق
حرير- تدور بين أهالي الكرك طرفةٌ حدثت بالفعل بين عشيرتي البقاعين المسيحية والمعايطة المسلمة في إحدى قرى المحافظة، حيث أخبرت العشيرة المسيحية جارتها المسلمة بعزمها على بناء كنيسة، ليرحب شيخ العشيرة المسلمة بذلك، ويخبرهم إمعانا في الترحيب بأن يكون الخوري من المعايطة.
تُوظَّف هذه الطرفة للتدليل على عمق العلاقة التي تربط بين المسلمين والمسيحيين في الكرك، التي شهدت مؤخرا جريمة استهداف كنيسة قرية حمود، وأسفرت عن سقوط تسعة ضحايا من المصلين المسيحيين الذين كانوا يؤدون شعائر جنازة واحدة من سيدات القرية.
لا تنحصر المشكلة في الحادثة الإرهابية نفسها، لأن استهداف الأردن لم يكن احتمالا غائبا في أي وقت، وإفلات أي حادثة إرهابية لا يمكن أن يصبح حكما على مجمل الاستراتيجية الأمنية، التي وضعت التيارات الدينية المتشددة في مقدمة أولوياتها، إلا أن ما لم يكن على كتالوج التهديدات الأمنية هو استهداف المواطنين المسيحيين في الأردن. استدعت الجريمة في الكرك مراجعة لخطاب التحريض من بعض الفئات داخل المجتمع الأردني، ومع أن هذه الفئات ليست مرتبطة تنظيميا بالخلايا الإرهابية، وليست لديها في حد ذاتها أي ممارسة على الأرض، ولكنها ضمن السعي لبناء شعبية في الأوساط المتدينة تتحول إلى نواة لخطاب إقصائي وتكفيري يدور في مناسبات كثيرة، حتى أصبح موسم الأعياد المسيحية ساحة للتراشق بين من يحرمون معايدة المسيحيين، ومن يرون أن ذلك من الأمور الواجبة والمحببة لشركاء كاملين في الوطن، وأصدقاء ومعارف كانوا دائما موجودين في السراء والضراء من مناسبات للمسلمين من محيطهم الاجتماعي وخارجه. في العام الماضي، كان نجل أديب أردني ذائع الصيت يقوم مع بعض زملائه بتوزيع منشورات لتحريم تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد، تضمنت أوصاف الشرك والكفر، وفي معرض دفاعه عن نجله قام الكاتب الأعلى توزيعا في الأردن، بوصفه بالمنتصر لدينه، وأخذ منحى تصعيديا تجاه الدولة ككل، يتضمن تلويحا بالمكانة العشائرية وقوتها، وكان أن أفرجت الأجهزة الأمنية عن نجله في فترة وجيزة نسبيا.
يحمل كثيرون في الأردن خطاب الكراهية المسؤولية المباشرة عن الحادثة، ولكن يبقى السؤال المركزي الذي يتغيب حول سبب خطاب الكراهية نفسه، فالمسألة ليست كما ذهب مشروع بيان يحمل عنوان «بيان حماة المعنى حول النزوع الإرهابي في الأردن» وتركيزه على ربط سياق ظهور الخطاب التكفيري استجابة لطلب الولايات المتحدة وصراعها مع الاتحاد السوفييتي، ما سمح بإنشاء بنية تحتية فكرية واجتماعية واقتصادية وثقافية تروج للمناهج الإقصائية والتكفيرية، وفقا للبيان. ولكنها مسألة أعمق تتشكل في طبيعة المجتمعات العربية نفسها إلى حد بعيد، وغياب المشروع الذي يمكن أن تحمله الدولة بشكل عام، وعدم قدرتها على إقناع المواطنين بوجود منجزات، لأن المواطن لا يتطلع للدولة بوصفها مؤسسات خدمية توفر البنية التحتية وإدارة العلاقات القانونية بين المواطنين، ولكنه يراها «كل شيء» تقريبا، فهي التي شكلت المجتمع وجعلته يكتسب قوامه وهويته، في عملية لم تدخل المجتمعات العربية فيه جدلا تاريخيا يؤدي إلى أن تؤسس الدولة.
القوميون أطلقوا فكرة «الرسالة الخالدة»، وأنتجوا الدولة الديكتاتورية، وقبل التكفير كان التخوين هو العملة الرائجة، ومع الإسلاميين أتى شعار «الإسلام هو الحل»، الذي يمكن أن يعتبر ردا على رسالة من غير أي محتوى فعلي، ومن الطبيعي في الحالتين أن يصبح العنف ناتجا عن هذه التفاعلات، التي تغيّب المواطنين عن المشاركة السياسية وتلقي بهم إلى السلبية، التي تجعل أي طرفٍ يمتلك ولو القليل من الفعالية هو الذي يتصدر المشهد ويفرض شروطه ويتمادى في طموحاته.
خرج الأردن من الانتخابات الأخيرة بنسبة اقتراع تجاوزت 30% بقليل، وحصل التيار الإسلامي على 31 مقعدا من أصل 138 مقعدا، ليكونوا الكتلة الحزبية الأكبر في مجلس النواب، ومع التسجيلات المرئية التي ظهرت مؤخرا بعد جريمة حمود في الكرك، تفاجأ الأردنيون أن بعضا من أعضاء المجلس النيابي لم يتورعوا عن استخدام الخطاب التحريضي، وعن وضع العنف خارج الدولة وخياراتها على الطاولة. كثيرٌ ممن لم يذهبوا للانتخابات لا يجدون في الخطاب الإسلامي السياسي دافعا ليحركهم، ومنهم نسبة كبيرة غير مقتنعة به، ولكن تغيبهم كان يدعم التيارات الإسلامية، التي تعتمد على التحشيد التنظيمي المرتفع، بما يعني أن سقفها التمثيلي تحقق في الانتخابات الأخيرة، وكان سيتأثر بنسبة كبيرة لو تضاعفت نسبة التصويت، وبذلك تأخذ هذه التيارات فرصتها من حالة الغياب لا الحضور، وتستطيع أن تتحصل على وزن نسبي مرتفع، قياسا بحجمها الحقيقي وتمثيلها بين الجمهور السياسي. لا يمكن أن توصف كل التيارات الإسلامية بالإرهابية، أو حتى المحرضة على الإرهاب وعلى العكس من ذلك، فكثير من الإسلاميين الذين يؤمنون بضرورة أسلمة الدولة، وبعض قطاعاتها يرفضون الإرهاب وينبذونه، ولكن في الوقت نفسه لا تتخذ هذه القوى الموقف الحازم تجاه جزء من الجمهور الذي يحمل أفكارا متطرفة، بمعنى تعاملها بانتهازية مع التيارات المتشددة، ولذلك فلا يتوقع منها سوى مزيد من الأسلمة على مستوى المناهج، وإضفاء نزعة رومانسية تطهرية على التاريخ الإسلامي، خلافا لوقائعه، وبدلا من أن يصبح الدين متعاليا على السياسة وخارج البعد الزمني، يصبح جزءا من الزمن، لأن السياسة تسكن هناك، ويحدث التقاطع الذي تدفع ثمنه أجيال ممن يحملون تصورات منحرفة عن الإسلام تقوم على الاجتزاء والانتقائية واستيراد أزمات الماضي التي تشكلت في سياقات مختلفة، إلى الواقع وبنيته المغايرة.
تعديل المناهج أو أي خطوات يمكن أن تتخذ في هذا المجال ليست هي الحل في عالم الإنترنت المفتوح، وكثيرٌ من المحرضين على العنف ومهندسي خطاب الإقصاء والتفكير، يقيمون خارج الأردن ولكنهم يستطيعون التسلل من حقيقة غياب الخطاب الذي يجب أن ينتج داخل الأردن وأي بلد عربي آخر، وتجريم خطاب الكراهية، أو حتى التأسيس لخطاب العلمنة، لا يمكن أن يشكل ضمانة ضد الفكر الإرهابي والتكفيري، وتقدم تونس شهادتها التي يعتد بها في هذا المجال، حيث أصبحت واحدة من الدول المنتجة للمقاتلين في صفوف القاعدة وداعش، على الرغم من حقبة العلمنة القسرية في زمن الحبيب بورقيبة.
والدولة المصرية اتخذت خطوات أكثر صرامة تجاه التيارات الدينية في مراحل زمنية متعددة، ولكنها لم تتمكن من تطويق الإرهاب بالكامل، وفي الأردن من الصعب الحديث عن ثلاث أو أربع حوادث خلال ربع قرن، بأنه يعني أن البلاد مكشوفة أمام الإرهاب بالمعنى الأمني، ولكن المشكلة هي أن رائحة عطنة ما زالت في الأجواء والكل يشمها ويشعر بأن الأمور غير مطمئنة، والتعويل هو على كفاءة الأجهزة الأمنية وتركيبة المجتمع الأردني المتسامحة.
الأردنيون لا يخافون الإرهاب بالمعنى الذي استهدف سابقا دولا أخرى، ولكن لبلدٍ له حدود طويلة مع سوريا والعراق بما شهدتاه من محنة متطاولةٍ هددت السلم الأهلي كله، يتخذ الخوف مقدمات مبررة ويجب أن يتم تحصين المجتمع من خلال بنية فاعلة لا تجعله يعيش بعيدا عن مشروع يجعله مستغرقا في المشاركة والتجربة والخطأ وتقاسم المسؤولية والعوائد بصورة عادلة وشفافة، تجعل المتطرف نفسه من يعيش إقصاء اجتماعيا يضطره لأن يعاود الاندماج الإيجابي في مجتمعه. بالعودة إلى طرفة البقاعين والمعايطة تستدعي سؤالا مختلفا، فالعلاقة التي سمحت لشيخ عشيرة مسلمة بأن يعرض على جيرانه المسيحيين أن يكون الخوري من عشيرته، كانت تعبيرا عن مجتمع استطاع أن يجد في علاقاته اليومية مساحة تتسع للاختلاف، ولكن هذه العلاقة ليست ما يعتمد عليه في الدولة الحديثة، والأردني المسيحي يجب أن لا يحتاج من يسمح له ببناء كنيسة، لأن هذه مسألة قانونية، ولا يحتاج لمن يعايده في المناسبات الدينية، ولكن لدولة تمكنه من أن يمارس جميع طقوسه فرحا وترحا وهو آمنٌ على نفسه، فالدولة الحديثة تقوم على المشروع لا الرسالة، وعلى القانون، لا الأخلاق الطيبة وحسن النوايا.



