
استهداف الطوائف والأعراق والمذاهب في المشرق العربي ـ فتش عن المستفيد
عبد الحميد صيام
حرير- ما جرى في بلدة حمود بالقرب من محافظة الكرك جنوب الأردن يوم الجمعة الماضي جريمة شنعاء مكتملة الأركان، تندرج تحت جرائم الكراهية والعنصرية والطائفية التي تعتبر جريمة ضد الإنسانية في القانون الدولي، ويجب أن تدان من كل أطياف المجتمعات العربية، وليس الأردن فقط. فمن يوجه السلاح ضد فئات من المجتمع تنتمي لدين آخر أو عرق أو مذهب إنما يطلق النار على المجتمع برمته.
مصر والعراق وبلاد الشام جميعا ومنها الأردن، مثال على تعايش الأطياف جميعها، حيث وجد المهجرون أو الهاربون من بلدانهم ملاذا على مرّ العصور، لذلك تجد الكردي والأرمني والشركسي والبشناقي والدرزي والمسيحي والقبطي والنوبي والعلوي والكاثوليكي والإيزيدي والصابئي والسومري إلى جانب مكونات البلاد الأصليين من مصريين وسوريين وأردنيين ولبنانيين وفلسطينيين وعراقيين.
امتزجت الأجناس جميعا عبر الهجرات والتزاوج والعمالة. ينتقل شخص فيحمل اسمه معه أينما حل فيدعى الشامي والمصري والكركي والشوبكي والموصلي والبصري والبيروتي والمقدسي والخليلي. عائلات تتوزع بين هذه البلدان. فتميمي العراق قريب لتميمي فلسطين ومجالي الكرك قريبون لأهالي الخليل وعريقات فلسطين من حويطات بني صخر ورام الله أسسها ثلاثة أخوة مسيحيين من الأردن وشبانة فلسطين أقارب لشبانة مصر وعائلات المصري والصباغ والصايغ والحداد وجرار والحسيني والحوت والبغال تتوزع بين هذه الدول.
استوعب الأردن كثيرا من المكونات العرقية والدينية، خاصة بعد نكبة 1948 والحرب الأهلية في لبنان واحتلال العراق والثورة السورية. استقبل الشعب الأردني الأصيل كل هذه المكونات التي انصهرت لتكون شعبا واحدا بأطياف جميلة تتقارب وتتكامل معا فلا يشعر العراقي أو السوري أو اللبناني أو الفلسطيني بأنه في أرض غريبة، بل في بلده وبين أهله.
من هنا يجب أن نسأل من صاحب المصلحة في محاولة تدمير هذا النسيج أو زعزعته؟ فرغم كل الأمواج المتلاطمة حول الأردن وعلى حدوده جميعا، بقي البلد مستقرا إلى حد بعيد. جرت محاولات نادرة قبل هذه الجريمة الشنعاء مثل تفجيرات الفنادق (2005) والهجوم على مركز الأمن في قلعة الكرك (2016), إلأ أن البلاد تجاوزتها بسرعة وتم القبض على المتهمين ومحاكمتهم. وطويت تلك الصفحات.
من صاحب المصلحة في استهداف مكونات المجتمع
لا بد أن نربط خواتم الأمور بمقدماتها ونسأل أنفسنا دائما السؤال التقليدي فتش عن المستفيد. ولا بد هنا من التذكير بأن منطقتنا العربية، خاصة القلب منها مصر وبلاد الشام والعراق، كانت تمثل نموذجا للتقارب والتعايش والتسامح. من هذه المنطقة انطلقت المسيحية إلى العالم، وفي هذه المنطقة قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، وهي الأكثر جذبا للسياحة في العالم إذا ما سمح لها أن تستقر وتزدهر، لذلك وضعت لها المخططات لتفكيكها وحرفها عن مسار التنمية والاستقرار والنهوض. فبعد حرب رمضان 1973 ووقوف العرب صفا واحدا خلف الجيوش المقاتلة من مصر وسوريا وبقية الوحدات العربية المساندة، وضع الكيان الصهيوني وحلفاؤه في البيت الأبيض، خاصة هنري كيسنجر خطة لتفتيت العالم العربي وتحويله إلى قبائل متنازعة، ونقل المعركة إلى مكونات البلد الواحد.
انتشرت في التسعينيات وثيقتان ومقال مهم، تشير ثلاثتها إلى توجه الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى بسط الهيمنة المطلقة على العالم، بدءا بخلق عدو جديد هو الإسلام والمسلمين. الوثيقتان هما: الانقطاع النظيف (عن الماضي) وعنوانه بالإنكليزية
«A Clean Break» 1996 أعدت من قبل خبراء صهاينة ومؤيديهم لبنيامين نتنياهو، تدعو للتخلي عن شعار «الأرض مقابل السلام والسلام الشامل» كما تدعو علنا إلى زعزعة المنطقة بدءا بالعراق ثم سوريا.
والوثيقة الثانية هي القرن الأمريكي الحادي والعشرين وبالإنكليزية: «Project for the 21st American Century» وتدعو الوثيقة إلى هيمنة أمريكا العسكرية على العالم خلال القرن الواحد والعشرين. أما المقال فهو تصادم الحضارات للبروفيسور صموئيل هنتنغتون الذي نشر عام 1993 في مجلة «الشؤون الخارجية» ثم تم تطوير المقال ونشر في كتاب عام 1996. والمقال يبشر بأن الحروب القادمة لن تكون على أساس أيديولوجي بل ثقافي وستكون المواجهة الأساسية مع الحضارة الإسلامية ثم الصينية.
هذه الوثائق الثلاثة كلها تشير إلى أن هناك مخططا للمنطقة العربية/ الإسلامية ذات الثروات الهائلة، التي لو تقاربت قواها الأساسية الأربعة مصر والسعودية وإيران وتركيا لتحولت المنطقة إلى مركز قوة اقتصادية وثقافية وسياسية عالمية جاذبة للعمالة والعقول والخبرات والتكنولوجيا. ولذلك كان لا بد من تفتيت هذه المنطقة عن طريق الحروب البينية والحروب الداخلية. وهذا ما حصل فعلا سطرا سطرا وفقرة فقرة.
انطلقت الحروب والنزاعات في المنطقة التي ساهمت أو عمقت الانقسامات بين الدول العربية، مثل الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) ثم احتلال العراق للكويت (1990) ولحق بذل النزاعات في السودان وليبيا ولبنان ثم الحرب على العراق 2003 وحروب إسرائيل على لبنان 2006 وعلى الضفة الغربية 2002 ثم على غزة بداية من 2008 وحتى يومنا هذا. لقد أطلقت الحرب بين العراق وإيران بوادر الخلاف السني الشيعي، الذي لم يكن معروفا من قبل. كما أن ثورات الربيع العربي دفعت النظام العربي بشكل عام للتعاون مع الحلفاء الغربيين والإسرائيليين للعمل على إجهاض هذه الثورات وتدمير الدول العربية الأساسية من الخارج والداخل كالعراق وسوريا والسودان واليمن وليبيا ولبنان.
أخذت الثورات المضادة عدة أشكال ووسائل ومؤامرات، وكان تشكيل هذه المجموعات الإرهابية التي سترتكب أبشع الجرائم باسم الإسلام، كانت الوسيلة الأسهل لتقسيم الشعوب طائفيا ومذهبيا ودينيا. وأود أن أؤكد أن ضحايا هذه المجموعات ينتمون لكل الأعراق والأديان والمذاهب. ومن بين الأهداف اللئيمة والخطيرة التي حيكت في الكيان الصهيوني والتي وضعت لهذه المجموعات هدف تفريغ دول المنطقة من مكونها المسيحي، كي تبرر إسرائيل لنفسها قيام دولة يهودية صافية لأن العرب لا يؤتمن جانبهم ولا يمكن للأقليات أن تشعر بالأمان في ظل حكم العرب والمسلمين وهو ما ينفيه التاريخ على امتداد خمسة عشر قرنا. لقد استهدفت الكنائس في مصر عددا من المرات بداية من 29 ديسمبر 2010 حيث تم استهداف كنيسة مار مينا جنوب القاهرة أثناء الاحتفال برأس السنة الجديدة، وتبعها هجوم على كنيسة القديسين في الاسكندرية في اليوم الأول للسنة الجديدة 2011. كما استهدفت الكنائس في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، حيث تم تفجير أربع كنائس في بغداد وكنيستين في الموصل في أغسطس 2004، تبعها تفجير كنيسة سيدة النجاة في 31 أكتوبر 2010، والمسؤولية ألقيت على داعش. أما سوريا فقد تعرضت الكنائس للهجمات وتم خطف الراهبات ورجال الدين وقتل العديد منهم، وآخر الهجمات كان يوم 25 أغسطس 2025 حيث فجر انتحاري نفسه في كنيسة وقتل 25 مصليا. كما تم الاعتداء على الأقليات الأخرى في العراق وسوريا ولبنان. أما في فلسطين المحتلة ونتيجة للتلاحم الإسلامي المسيحي فقد نفذت الاعتداءات قوات الاحتلال نفسها عبر الاستهداف المتعمد كما حصل في غزة في 19 أكتوبر 2023 عندما تم استهداف الكنيسة التاريخية «برفيريوس» للروم الأرثوذكس، وكنيسة العائلة المقدسة في يوليو 2025.
في هذا الإطار نضع الهجوم على كنيسة جاورجيزس في بلدة حمود في الكرك. إنه المخطط نفسه بهدف تفريغ المنطقة من مكونها المسيحي تمهيدا لتفتيت البلاد وتشتيت العباد. الرد لا يكون بضربات انتقامية تطيح بأبرياء آخرين، بل بتعزيز اللحمة الوطنية وتسديد الثغرات ونبذ خطاب التشدد والتكفير وتعزيز ثقافة المواطنة المتساوية.



