أنتنياهوية من دون بنيامين؟

وسام سعادة

حرير- كم من وجهٍ تعاقب على منازلة بنيامين نتنياهو منذ عودته إلى رئاسة الحكومة عام 2009! يومها فازت تسيبي ليفني، على رأس «كاديما»، بثمانية وعشرين مقعداً مقابل سبعة وعشرين لليكود، لكنها عجزت عن تشكيل حكومة. ثم توالت أسماء شاؤول موفاز وشيلي يحيموفيتش وعمير بيرتس وإسحاق هرتسوغ، قبل أن تتقدم إلى الواجهة شخصيات من المؤسسة العسكرية أو من صفوف اليمين والوسط: بيني غانتس ويائير لبيد ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان وجدعون ساعر. نجح بعضهم في إبعاده عن الحكم عام 2021، ليعود بعد انتخابات 2022. وها هو غادي آيزنكوت يتصدر اليوم المواجهة عشية اقتراع 27 تشرين الأول 2026، فيما يحاول يائير غولان إعادة تجميع يسار صهيوني انحل لونه.

تبدلت الأحزاب والائتلافات والأسماء، وبقي نتنياهو المحور الذي يعاد حوله تركيب الخريطة الحزبية وتفكيكها. خصومه، في معظمهم، لا ينازعونه على الأسس الأمنية والاستيطانية للدولة بقدر ما ينازعونه على أهليته لإدارتها وعلى حدود المجازفة فيها. لقد غدا الانقسام حول نتنياهو بديلاً، إلى حد بعيد، من الانقسام حول «المسألة الفلسطينية» وحجم الابتعاد أو القرب من المنشود الأول لحل «المسألة اليهودية» عند ثيودور هرتسل، أبرز مؤسسي «الصهيونية السياسية»، وهي أن «نكون كالآخرين».

يختصر آيزنكوت هذا التحول. فهو رئيس الأركان السابق بين عامي 2015 و2019، والذي قُتل ابنه غال في حرب غزة عام 2023، ومؤسس حزب «ياشار» الذي يعني اسمه الاستقامة أو السير على خط مستقيم. وُلد في طبريا عام 1960 لوالدين يهوديين مهاجرين من المغرب، ونشأ في إيلات. وليست خلفيته السفاردية أو المزراحية، تفصيلاً عابراً. فمنذ انقلاب 1977 الانتخابي، ارتبط صعود الليكود بتعبئة شرائح من اليهود الشرقيين في مواجهة الهيمنة الأشكنازية التاريخية في حزب العمل ومؤسسات الدولة. والمفارقة أن منافس نتنياهو الأبرز اليوم يأتي من هذه البيئة، لا ليطرح يساراً اجتماعياً مضاداً لليكود، بل ليعرض قيادة أخرى للثقافة القومية والأمنية التي ساهم الليكود نفسه في تعميمها. وليس في الأمر انقلاب مزراحي على الليكود، فاليهود الشرقيون ليسوا كتلة سياسية واحدة. الأهم أن المنافسة باتت تجري على إرث اجتماعي ورمزي كان الليكود يحتكر، إلى حد بعيد، القدرة على مخاطبته. ويضاف إلى ذلك أن السابع من تشرين الأول 2023 أعاد تنشيط شعور لدى قطاعات من المزراحيم بأنهم كانوا، أكثر من غيرهم، في مرمى الهجوم، ولا سيما في مدن الجنوب وبلداته ذات الحضور اليهودي الشرقي الوازن، وأنهم منذ ذلك اليوم تحملوا قسطاً استثنائياً من الخسائر والتضحيات من أجل إسرائيل. فثمة إحساس متراكم بأنهم، بعدما عانوا طويلاً من التراتبية الاجتماعية داخل الدولة، باتوا يتحملون أيضاً نصيباً غير متكافئ من كلفة الدفاع عنها. إنها في وجه من وجوهها إذا منافسة على تمثيل جماعات ترى أنها دفعت ثمناً باهظاً لاستمرار إسرائيل، وتريد أن يكون لهذا الثمن وزن في تحديد قيادتها ومستقبله. فهل يكسر الاحتكار الاشكينازي لرئاسة السلطة التنفيذية في إسرائيل.

تكشف استطلاعات منتصف تشرين الأول عن مأزق يطال الطرفين. ففي استطلاع نُشر في 15 منه، حصل «ياشار» على 26 مقعداً مقابل 20 لليكود، وتقدم معسكر المعارضة ذات القيادة اليهودية بـ54 مقعداً مقابل 49 لمعسكر نتنياهو. لكن استطلاعاً آخر منح الأخير تقدماً طفيفاً على مستوى التحالفات. لا يملك أي المعسكرين، وفق هذه التقديرات، أغلبية الواحد والستين نائباً؛ وتتعقد المعادلة مع استبعاد القوى العربية من حسابات الائتلاف الحكومي لدى أبرز المتنافسين. وفي الاستطلاع نفسه نالت الأحزاب العربية ثلاثة عشر مقعداً، بينما حصل حزب «جنود الاحتياط» غير المحسوب على أي من المعسكرين على أربعة. بذلك تصبح أزمة الأكثرية أكثر من مجرد فارق بضعة مقاعد: إنها أزمة حدود الائتلاف المشروع في تصور القوى اليهودية المتنافسة. ففي عام 2021 أمكن إسقاط نتنياهو بائتلاف ضم حزباً عربياً، لكن الرغبة في تكرار تلك التجربة تكاد تغيب اليوم.

يمكن، مع ذلك، المجازفة بالقول إن إسرائيل ربما لم تكن أكثر ليكودية في ثقافتها السياسية مما هي عليه اليوم، ولو تراجع الليكود انتخابياً. وآيزنكوت، المرتبط اسمه بـ«عقيدة الضاحية» القائمة على الرد التدميري الواسع، ليس خارج هذا المنطق؛ إنه يخاصم نتنياهو من داخل كثير من مسلّماته. وحتى حين يطرح خصوم رئيس الحكومة إعادة الاعتبار للمؤسسات والقضاء والضوابط، يظل السؤال السياسي الأكبر معلّقاً: أي أفق يقترحونه للفلسطينيين خارج دوام السيطرة العسكرية؟

في المقابل، لا يزال نتنياهو يعرض على الإسرائيليين حجة يمكن تلخيصها في عبارة: «دعوني أكمل ما بدأت». إنها حجة الاستمرارية والمثابرة، لكنها تنطوي على مأزقها: ماذا لو كان «ما بدأ» غير قابل للاكتمال؟ كل حرب تستدعي أخرى، وكل نجاح عسكري معلن يفتح تحدياً جديداً. يريد خصومه في المقابل إنهاء حقبته، لكن يصعب عليهم تحديد ما يتعين إنهاؤه من المشروع الذي مثّلته.

والمفارقة تتجاوز إسرائيل. فبينما تتآكل قدرة نتنياهو على حشد أكثرية داخلية، تتسع جاذبية صورته لدى تيارات في اليمين الشعبوي العالمي. ويمكن حتى القول، على صعيد المثال القيادي لا الولاء السياسي، إن بعض هذا اليمين بات أشد افتتاناً بالنتنياهوية من الترامبية. فدونالد ترامب يقدم نموذج المبادرة الصاخبة والتقلب والمفاجأة، أما نتنياهو فيقدم صورة السياسي الذي يحتمل الزمن والانتكاسات، ويتمسك بمخطط طويل النفس، ويحوّل البقاء نفسه إلى برهان على صواب نهجه. ليس الفارق مطلقاً، لكنه فارق في الأسطورة السياسية التي يسعى كل منهما إلى تجسيدها. وإذا كانت الترامبية تميل إلى تحويل الإرادة الشخصية إلى حدث يومي، فإن النتنياهوية تغري بأن تجعل من تراكم الأيام والخسائر والتعب نفسه مادة لشرعية القائد. إنها لا تعد أنصارها بانتصار سريع بقدر ما تطلب منهم الثقة بقدرة الزعيم على الاستمرار حتى في غياب نهاية مرئية.

غير أن نتنياهو المحارب على جبهات متسلسلة هو نفسه الذي قضى سنوات طويلة يتحاشى حرباً شاملة وممتدة. لقد فضّل إدارة النزاعات واحتواءها وضبط إيقاعها، إلى أن جاء السابع من تشرين الأول 2023 ليكشف انهيار هذه الاستراتيجية. في القراءة الناقدة، يتحمل الرجل مسؤولية الإخفاق الذي راكمته سياسة الاحتواء. أما في روايته، فتعود الخطيئة المؤسسة إلى أريئيل شارون وفك الارتباط مع غزة عام 2005. وبين التفسيرين لا ينحصر النزاع في تحديد المسؤول عن الكارثة، بل يتصل أيضاً بطبيعة الاستنتاج الواجب استخلاصه منها.

بعد ذلك انتقل نتنياهو من احتواء الصراعات إلى خوض حروب إقليمية متلاحقة، من غزة ولبنان إلى إيران، وفي امتدادات المواجهة في سوريا واليمن. يمكن إنهاء جولة عسكرية، لكن لا شيء يضمن انتهاء الصراع الذي أنجبها. والأهم أن إسرائيل لا تستطيع إدامة هذا المسار اعتماداً على قوتها وحدها. إنها تحتاج إلى الولايات المتحدة، فيما تتحرك واشنطن بين الإسناد العسكري والبحث عن مخرج دبلوماسي، وبين تبني أهداف نتنياهو والخشية من تبعاتها. وقد أبرزت الحرب مع إيران اختلاف إيقاع الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، حتى حين اشتركت الدولتان في العمليات. للولايات المتحدة حسابات تتصل بكلفة الاستنزاف وبالاقتصاد وبمصالحها مع حلفائها الآخرين، وهي حسابات لا تتطابق دوماً مع تصور نتنياهو لأمن إسرائيل.

لأجل كل هذا، المشكلة اليوم ليست أن نتنياهو عاجز أو لا عن المواصلة، بل أن المواصلة نفسها مهددة بأن تصبح الغاية له، أو لأخصامه، وليسوا بأنداد. إذا كانت الانتخابات قد تنهي حكم بنيامين نتنياهو، فهل تستطيع إنهاء النتنياهوية؟ لكن هل من نتنياهوية دون الشخص إلا سراب الشخص نفسه؟

مقالات ذات صلة