جائزة نوبل من أفريقيا إلى فلسطين

دلال البزري

حرير- لم يفوِّت دونالد ترامب جائزة نوبل للسلام من دون أن يتحفنا بـ”اسكتش” من توقيعه، فيضحكنا، ممعناً في تبديد هيبته. علّق على الفائزة بها هذا العام: “هذه هي المرأة التي حصلت على جائزة نوبل للسلام بدلاً من الولايات المتحدة الأميركية العظيمة، التي تمكِّن ممثلها، أنا شخصياً، من تسوية ثماني حروب”. وبعدما عدّد هذه الحروب، ومنها “الحرب بين حماس وإسرائيل”، والحرب بين إيران وإسرائيل”… استنتج أنه “في الحقيقة، كان ينبغي أن أحصل على ثماني جوائز نوبل للسلام، لا على جائزة واحدة فقط”. والأقل هزلية من هذا الكلام تلك العقوبات الأكثر قساوة من قبل، ضد محكمة الجنايات الدولية، التي عملت فيها الفائزة بالجائزة سنوات. تلك المحكمة المعروفة بإدانتها إسرائيل، بتعميقها مفهوم إبادتها أهل غزّة، وصاحبة القرار بإصدار مذكرة توقيف ضد نتنياهو.

الآن، من هي الفائزة بجائزة نوبل للسلام 2026؟ إنها نافي بيلاري. حقوقية جنوب أفريقية، عمرها 85 سنة. عملت في شبابها ضد نظام الفصل العنصري ولحرية سجنائه، وفي مقدّمتهم نيلسون منديلا. ثم ترأست عدة لجان تحقيق في جرائم الحرب في أفريقيا. وجديد إنجازاتها كان في لجنة تحقيق، دولية أيضاً، في جرائم إسرائيل في غزّة، خلصت فيه إلى مفهوم الإبادة بحق أهلها، وقد ذاع عالمياً. وكان نتنياهو أقل هزلية من ترامب، عندما أُعلِنَ منحها الجائزة. إذ قال عن لجنة نوبل: “هذه اللجنة أضاعت بوصلتها. منحت أرفع جوائزها لشخصية طائفية، افترت على الدولة اليهودية الوحيدة في العالم”.

إنها المرة الأولى التي تمنح جائزة نوبيلية لشخصية تدافع قانونياً عن الفلسطينيين، وتملك الطاقة اللازمة بعد تجاوزها الثمانين للتحقيق في إبادتهم وإدانة المسؤولين عنها. وقد تكون خلفية هذه الجائزة تلك الرافعة الشعبية في العالم التي تتضامن مع الفلسطينيين في ظاهرة اخترقت الحصون القديمة للصهيونية.

قبل ذلك: جائزة نوبل للسلام التي تقاسمها أنور السادات مع بيغن عام 1978. هل كانت “زلّة” تاريخية؟ كما أجمعت تعليقات كثيرة عليها؟ لأنها لم تحل القضية الفلسطينية، ولأن مساري السادات وبيغن متناقضان؟ الأول رئيس دولة والثاني رئيس عصابة صعد إلى الدولة. ولأنهما حصلا على الجائزة قبل توقيعهما اتفاقية السلام بينهما؟. وفي 1994، تقاسم ياسر عرفات الجائزة مع كل من إسحق رابين وشيمون بيريز، بعد توقيعهم على اتفاقية أوسلو. ولا حاجة إلى تبيان الفشل الذريع لهذه الاتفاقية، التي لم تناقش وقتها على وجه عادل، إنما كانت الحماسة طاغية لذاك “السلام العابر” (عبارة للراحل جوزيف سماحة). ثم كانت الجائزة للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر (2002). تشجيعاً له على عمله الدبلوماسي والإغاثي لحقوق الإنسان، ومن ضمنها حقوق الفلسطينيين. ولا سيما في كتابه “فلسطين: السلام لا الفصل العنصري”.

إذن، ثمة مرحلة انقضت، ذات ملمح قريب وبعيد عن مرحلتنا. نقطة الاستدلال المفيدة لنا، في هذا المقال، في الذكرى الثالثة للحرب على غزّة، أو لانطلاقة عملية “طوفان الأقصى”… هذه النقطة هي حرب عمرها نصف قرن، عنوانها حرب أكتوبر التي خاضها السادات، بمشاركة “روحية” من الرئيس السوري وقتها، حافظ الأسد… ولن يكون الأخير الموضوع هنا… يشن السادات عملية عسكرية مباغتة في صحراء سيناء ضد إسرائيل، في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973، تدوم 20 يوماً، وتنتهي بانسحاب إسرائيل من صحراء سيناء وترتيبات أمنية معقدة واتفاق سلام… إلخ.

نقاط الشبه بين عمليتنا اليوم (طوفان الأقصى) وحرب أكتوبر هذه. السادات رئيس مصر، وغولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل، عن حزب العمل اليساري الإسرائيلي. الحرب أكبر مفاجأة لإسرائيل. وقتها، الملك حسين، صاحب العلاقة السرية مع إسرائيل، شاع لاحقاً أنه نبّه غولدا مائير عن احتمال قيام مصر وسورية بعملية عسكرية ضد إسرائيل، وأكّد لها أن حرباً ستقع بينها وبين جيوش الدولتين. غولدا مائير توصل التنبيه إلى وزير دفاعها موشيه دايان. لكنه لا يراه تنبيهاً جدّياً.

اليوم في أواخر سبتمبر/ أيلول 2023، قبل عشرة أيام من “الطوفان”، والعلاقة على أشدها من الوئام بين إسرائيل والإمارات، بعد توقيع اتفاق أبراهام التطبيعي، يتصل محمد بن زايد منبّهاً نتنياهو عن طريق التلفون “السري” الذي يحمله له سفير الإمارات في تل أبيب. نتنياهو يقلّل من جدية التنبيه أيضاً، ولا يُعلم به أحداً من الدائرين في فلكه. رئيس المخابرات المصرية في حينه، عباس كامل، يحذر نتنياهو أيضاً، بحسب يديعوت أحرونوت. من أن “شيئاً غير عادي… عملية رهيبة”، تستعد حركة حماس لشنها على إسرائيل. وتنقل الصحيفة أن نتنياهو انفجر ضاحكاً بوجه عبّاس كامل، بكلمات الثقة الزائدة والسخرية من قدرات “حماس”.

حول أثر التنبيهَين، الإماراتي والمصري، تكلم كثيرون عن “عماء استراتيجي” إسرائيلي، عن “قصور استراتيجي”. وجدوا أصله في تلك العقيدة المهيمنة على العقول الحاكمة والمحكومة، والمتلخّصة في ما يُعرف بـ”كونسبتيا”، أو التصور الأمني المسبق. ومحوره إحساس عارم بالتفوق الإسرائيليين تجاه العرب المحيطين بهم.

اليمين الإسرائيلي المدعوم بالأحزاب الدينية لم يغيّر كثيراً في العقيدة التي أرساها العماليون يوم كانوا هم الحاكمين وقت حرب أكتوبر: إسرائيل متفوقة تكنولوجياً، قدرتها على الردع استثنائية، تسيطر دائماً على القوى المضادة لها. وسيطرتها هذه ليست أداة أمن فحسب، إنما طريقة يومية عادية لحل الصراعات. التطور التكنولوجي مؤخراً خدم تلك العقيدة بأكثر مما تتمناه. وصار المسؤولون الإسرائيليون يتشاوفون أمام العالم بالرقابة الإلكترونية، بأجهزة الاستشعار الحدودية، بالمسيّرات، بالنظم الآلية.

التطور التكنولوجي عزز العقيدة، ولكنه لم يخترعها. هذه العقيدة قديمة راسخة. بعد النكبة عام 1948، كان هناك ذرة شك، بأن إسرائيل ربما لا تتمكن من هزيمة الجيوش العربية كل مرة. لكن هذا الشك تبدد، في حرب 1967 الخاطفة، وأخذت الـ”كونسبتيا” راحتها، لتترسخ عقدة التفوق الإسرائيلية، ومعها عقدة النقص العربية. يبقى أن الخسائر البشرية في حرب 73 كان مرتفعة جداً، تقتصر على العسكريين، الذين من “الطبيعي” أن يموتوا في الحروب. لكن النتيجة الميدانية كانت انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء (تكرار) وافتتاح مرحلة مفاوضات واتفاق سلام بين مصر وإسرائيل. عكس ما نشهده اليوم من استمرار الحرب، بعد ثلاث سنوات على اندلاع الرد على “الطوفان”.

اختلاف ثان: الفرق بين غولدا مائير ونتنياهو. الأولى عيّنت لجنة تحقيق “أغرانات” حول التقصير في الحرب. ورغم أنه تقرير لم يدنها، لاقت ضغوط جنود الاحتياط المشاركين في الحرب تعاطفاً شعبياً عارماً، أجبرت مائير على الاستقالة بعد سنة. أما نتنياهو، فهو لم يوافق بعد على تعيين لجنة تحقيق في الإخفاقات الأمنية لعملية الطوفان. والتظاهرات الشعبية الحاشدة المطالبة باستقالته لم تثنه عن البقاء، ولا خوضه الانتخابات القادمة بأريحية “المنتصر”.

… لم يعد هناك من اتحاد سوفييتي يدعم دولاً في حربها. إنما إيران الداعمة مجموعات مسلحة، خارجة عن إطار الدولة وعن نطاق قراراتها. ذلك، أيضاً أن المجابهة العسكرية بين إسرائيل وهذه الدول انتهت. وحل محلها التطبيع مع إسرائيل، بعدما كانت جهود الحرب القديمة وسلاح النفط بخدمتها.

ومن مفارقات القدر التاريخي: كل هذا الذي سبق لم يمنع من أن تتحول القضية الفلسطينية إلى قضية رأي عام عالمي، من أبرز دلالاته الجائزة الممنوحة لامرأة استطاعت ان تربط بين الظلم الواقع على الفلسطينيين والظلم الواقع على شعوب أفريقيا، بحروبها الأهلية وأنظمتها العنصرية.

مقالات ذات صلة