بوستر (مهرجان القاهرة السينمائي) يشعل الغضب.. هل ظلم الذكاء الاصطناعي شادية؟

بين تشويه ملامح (فؤادة) والهجوم على حسين فهمي.. تصميمات بديلة تخطف الأنظار وتكشف كيف يمكن لفكرة ذكية أن تتحول إلى أزمة بسبب التنفيذ!.

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي

ما إن كشف (مهرجان القاهرة السينمائي الدولي) عن البوستر الرسمي لدورته السابعة والأربعين، المقرر إقامتها خلال الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بموجة من الانتقادات والسخرية، تحولت سريعًا من مناقشة تصميم دعائي إلى هجوم على المهرجان ورئيسه النجم الكبير حسين فهمي!

والسبب؟ صورة الفنانة الراحلة شادية، أو بالأحرى شخصية (فؤادة) التي جسدتها في فيلم (شيء من الخوف)، والتي جاءت في البوستر بملامح أثارت استياء كثيرين، معتبرين أن الصورة لا تشبه (شادية)، وأن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لم تخدم الفكرة، بل أساءت إلى واحدة من أجمل أيقونات السينما المصرية.

وهكذا، بدلًا من أن يكون البوستر مناسبة للاحتفاء بذاكرة السينما المصرية، وجد مهرجان (القاهرة السينمائي الدولي) نفسه في مواجهة عاصفة من الانتقادات، وسط تساؤلات مشروعة، كيف لمهرجان عريق بحجم مهرجان القاهرة السينمائي أن يقدم تصميمًا بهذه الصورة؟ وهل يكفي أن تكون الفكرة جيدة حتى نتغاضى عن ضعف تنفيذها؟

كفانا قبحًا وسوادً!

كانت الناقدة السينمائية (ماجدة خيرالله) من بين الأصوات التي انتقدت البوستر، معبرة عن استيائها من ألوانه وطابعه البصري، وكتبت عبر صفحتها على (فيسبوك) : (إيه كمية السواد اللي في الصورة دي؟ الأفيش خال من أي سمات جمال، الفنانة شادية تستحق أفيش أكثر إبداعًا، ومهرجان القاهرة بعد 47 دورة يستحق أفيش يليق بمكانته العالمية، ياريت يكون فيه فرصة لإعادة النظر في الأفيش بحيث يكون أكثر بهجة ويعبر عن روعة فن السينما، وكفانا قبحًا وسوادًا).

ولم يكن الاعتراض على الألوان وحدها، بل امتد إلى الصورة نفسها، ومدى قدرتها على التعبير عن قيمة شادية ومكانتها في وجدان عشاق السينما المصرية.

وجاء تعليق (ناهد شاكر)، ابنة شقيقة الفنانة الراحلة، ليزيد الجدل اشتعالًا، إذ انتقدت الشكل النهائي للصورة ومدى تشابهها مع ملامح خالتها، وكتبت:(إيه المنظر ده؟ بالذمة دي شادية؟ واللي فهمته إن الدورة دي عن ترميم الأفلام، وده كده “شيء من الخوف” بعد ما ترمم، ولا حول ولا قوة إلا بالله!).

وكان تعليقها لافتًا، لأنه جاء من أحد أفراد عائلة الفنانة التي اختارها المهرجان لتكون محورًا بصريًا للاحتفاء بتراث السينما المصرية.

حسين فهمي يدافع عن الفكرة

أمام هذا الجدل، دافع الفنان الكبير (حسين فهمي)، رئيس (مهرجان القاهرة السينمائي)، عن البوستر، موضحًا أن اختيار (شادية) جاء تقديرًا لمسيرتها الفنية ومكانتها في تاريخ السينما المصرية، وأن التصميم يستلهم شخصية (فؤادة) في فيلم (شيء من الخوف)، وليس بالضرورة صورة فوتوغرافية مطابقة تمامًا لملامح الفنانة الراحلة.

كما ربط (فهمي) الفكرة برسالة الدورة التي تحتفي بذاكرة السينما المصرية، وأهمية ترميم الأفلام الكلاسيكية وإعادتها إلى الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تمثل أحد المسارات المهمة في مستقبل الصناعة السينمائية، مع ضرورة التمييز بين استخدامها في تصميم مادة دعائية وبين الاعتماد عليها في إنتاج فيلم كامل.

لكن، مع كامل الاحترام لرؤية رئيس مهرجان (القاهرة السينمائي الدولي)، تبقى هناك نقطة لا يمكن تجاهلها: (الفكرة شيء، وتنفيذها شيء آخر تماما، فإذا كان الهدف هو استعادة ذاكرة السينما المصرية، فمن الطبيعي أن ينتظر الجمهور صورة تستحضر جمال تلك الذاكرة، وتحافظ على ملامح نجومها الذين ارتبطوا في الوجدان بصور لا تزال حاضرة رغم مرور العقود.

ولذلك، فإن الانتقادات الموجهة إلى جودة التصميم ليست بلا أساس، وكان من الممكن مراجعة البوستر قبل نشره، وإخضاعه لتقييم فني أكثر دقة، خاصة أن الأمر يتعلق بمهرجان دولي يحمل اسم القاهرة، ويحتفل بتاريخ طويل من الإبداع السينمائيم

هل يستحق حسين فهمي كل هذا الهجوم؟

هنا نصل إلى النقطة التي تستحق التوقف أمامها، هل يستحق حسين فهمي كل هذا الهجوم؟! نعم، من حق الجمهور أن ينتقد البوستر، وأن يطالب بتغييره، وأن يسأل عن المعايير الفنية التي اعتمدتها إدارة مهرجان (القاهرة السينمائي الدولي) في اختياره، ومن حق النقاد والمتخصصين أن يناقشوا مدى نجاح التصميم في التعبير عن فكرته.

لكن ما لا يمكن قبوله هو أن يتحول الاختلاف حول عمل فني إلى إساءات شخصية، أو أن يصبح تصميم دعائي غير موفق سببًا للمطالبة برحيل (حسين فهمي) عن رئاسة المهرجان، وكأن الرجل ارتكب جريمة لا تُغتفر!

الفرق كبير بين النقد الذي يسعى إلى تصحيح الأخطاء، والهجوم الذي لا يترك مساحة للحوار أو التراجع أو الاعتراف بأن الاختيارات الفنية قد تخطئ وتصيب.

كان الأجدى أن ينصب النقاش على أسباب ضعف التصميم، وكيفية تطويره، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد أضاف إلى الفكرة أم انتقص منها، بدلًا من الانزلاق إلى حملات من التجريح والتجاوز.

فالمهرجانات الكبرى لا تُقاس أعمالها بلحظة نجاح واحدة أو إخفاق واحد، وإنما بقدرتها على التعلم من أخطائها، والاستماع إلى جمهورها، وتصحيح مسارها.

هل كان اختيار فؤادة أذكى من البوستر نفسه؟

المفارقة أن اختيار شخصية (فؤادة) من فيلم (شيء من الخوف) يحمل في حد ذاته فكرة ثرية، تستحق أن تُناقش بعيدًا عن أزمة الصورة، فالفيلم، الذي أخرجه حسين كمال وعُرض عام 1969، ليس مجرد علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية، بل عمل مشحون بالدلالات، تدور أحداثه في أجواء يهيمن عليها الخوف والبطش، قبل أن تتحول شخصية (فؤادة) إلى رمز للمقاومة والتمرد ورفض الخضوع.

ومن هنا، يمكن قراءة اختيارها بوصفه استدعاءً لصورة سينمائية تتجاوز حدود الحكاية، وتستعيد قوة الفن في التعبير عن المجتمع وتحولاته، وقد يجد البعض في هذا الاختيار صدى لأسئلة تعيشها المجتمعات في أزمنة مختلفة، لكن هذه قراءة رمزية محتملة، وليست بالضرورة تفسيرًا رسميًا لنية المهرجان.

المشكلة إذن ليست في اختيار (شادية)، ولا في استعادة (فؤادة)، وإنما في الطريقة التي جرى بها تقديم هذه الشخصية بصريًا، فكيف نستدعي واحدة من أشهر الشخصيات النسائية في السينما المصرية، ثم لا نمنح صورتها ما تستحقه من عناية وإبداع؟

وسط موجة الانتقادات، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي تصميمات بديلة حاولت تقديم أفكار بصرية أكثر ارتباطًا بروح الفيلم وتاريخ السينما المصرية، ومن بين هذه الأعمال، لفت الأنظار تصميم الفنان التشكيلي (السيد عبدالقادر)، المصور بجريدة (الأهرام)، الذي قدم تصورًا شخصيًا مستلهمًا من فيلم (شيء من الخوف).

في هذا التصميم، تظهر فؤادة وهى تفتح (الهويس)، لكن المفاجأة أن ما ينساب منه ليس الماء، بل صور لنجوم وشخصيات الفيلم، في معالجة بصرية تربط بين رمز محوري في الفيلم وبين فكرة استعادة التراث السينمائي.. إنها فكرة تحمل قدرًا من الخيال والرمزية، وتجعل المشاهد أمام صورة تحكي حكاية، بدلًا من الاكتفاء بتقديم وجه داخل تصميم قاتم.

العمل مجرد اجتهاد فني شخصي

وقد أوضح (السيد عبدالقادر) أن العمل مجرد اجتهاد فني شخصي، وليس تصميمًا رسميًا للمهرجان أو مشاركة معتمدة منه، مؤكدًا احترامه للقائمين على مهرجان (القاهرة السينمائي الدولي) وصناع الفيلم، وأن جميع الحقوق محفوظة لأصحابها.

وبعيدًا عن المقارنة المباشرة بين التصورين، فإن ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو قدرتها على تحويل فكرة الترميم إلى صورة لها حكاية ودلالة، فبدلًا من النظر إلى التراث باعتباره صورًا قديمة نعيد عرضها، يصبح نهرًا متدفقًا من الأفلام والنجوم والحكايات التي لا تزال قادرة على إلهام الحاضر.

وهنا تظهر المفارقة الجميلة، الأزمة التي بدأت ببوستر أثار الغضب، تحولت إلى مساحة مفتوحة للإبداع، دفعت فنانين إلى تقديم رؤاهم الخاصة، وأعادت فيلم (شيء من الخوف) إلى دائرة الضوء، وربما عرّفت أجيالًا جديدة بجمالياته ورموزه.

الحقيقة أن إدارة (مهرجان القاهرة السينمائي) كانت تستطيع تقديم بوستر أكثر جمالًا وإتقانًا، يحافظ على ملامح (شادية) ويحتفي بشخصية فؤادة، ويعكس في الوقت نفسه قيمة مناسبة تجمع بين تاريخ المهرجان وذاكرة السينما المصرية.

لكن الجدل يكشف أيضًا أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يضمن وحده الإبداع، كما أن رفضه لا يعني بالضرورة الدفاع عن الفن الأصيل، فالأداة، مهما بلغت قدراتها، تحتاج إلى رؤية فنية واعية، وذائقة بصرية، ومراجعة دقيقة تحترم الشخصيات التي تستلهمها.

وإذا كانت الدورة السابعة والأربعون تتزامن مع مرور خمسين عامًا على انطلاق مهرجان (القاهرة السينمائي الدولي) عام 1976، فإنها تستحق احتفاءً يليق بهذه المسيرة، لا أن يظل الحديث عنها أسير أزمة بوستر.. نريد بوسترًا يليق بشادية، ويحترم فؤادة، ويحتفي بتاريخ السينما المصرية، ونريد نقدًا يرفض الخطأ من دون أن يفقد احترامه للآخرين.

ففي النهاية، ليست القضية انتصارًا لحسين فهمي أو هزيمة لإدارة المهرجان، وليست معركة بين الذكاء الاصطناعي والفن البشري، وإنما سؤال بسيط: كيف نحول حبنا للسينما المصرية إلى عمل فني يليق بتاريخها، بدلًا من أن تتحول ذاكرتها إلى مادة جديدة للغضب والانقسام؟

مقالات ذات صلة