
حفظ التراث لا يبدأ من الحجر… بل من التاريخ. استعد تاريخك، تستعد حجرك.
منال خلف
في هذا المقال أضع بين أيدي القراء جزءًا من فصل في رسالة الماجستير التي تقدم بها الباحث المهندس عدلي حجازي بعد سنوات من البحث والتنقيب حيث خلص في دراسته إلى النتائج التالية حول علاقة حفظ التراث بالتعرف على التاريخ، وهي الدراسة التي ستعتمد رسميا كمرجع علمي متخصص في مجال التراث المعماري والحضاري لمنطقة الشرق الأوسط :
قد يبدو الحديث عن التراث للوهلة الأولى حديثًا عن حجارة قديمة، وأعمدة وقباب ونقوش ومبانٍ تجاوز عليها الزمن. لكن الحقيقة أن القضية أعمق بكثير من ذلك.
فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن الترميم والحفاظ والتوثيق هو:
من صاحب هذا التراث؟ ومن بناه؟ وما الحضارة التي أنتجته؟
قبل أن نضع خططًا لحماية المواقع الأثرية، علينا أن نعيد النظر في الروايات التاريخية التي تشكل وعينا بها. لأننا لا نستطيع أن نحمي تراثًا لا نعرف قيمته، ولا نشعر بانتمائنا إليه.
عندما يصبح التاريخ جزءًا من معركة التراث
إذا ظللنا ننظر إلى تاريخ منطقتنا بعيون الآخرين، ونردد دون مراجعة أن «الرومان بنوا بعلبك»، أو أن «اليونان ابتكروا الأعمدة»، أو أن الحضارات التي قامت في هذه المنطقة مجرد شعوب غامضة لا نعرف الكثير عن أصولها، فكيف نريد من الأجيال أن تدافع عن هذا التراث؟
إن المشكلة لا تكمن فقط في الحجر الذي يتعرض للتدمير، وإنما في الرواية التي تحيط بهذا الحجر.
فالعمود ليس مجرد عمود، والمدينة القديمة ليست مجرد مجموعة مبانٍ. وراء كل حجر إنسان، ووراء كل بناء حضارة، ووراء كل نقش قصة تستحق أن تُقرأ وتُفهم في سياقها التاريخي الصحيح.
ويقول الدكتور أحمد داوود في هذا السياق:
««لم يلق تاريخ أمة من الأمم أو شعب من الشعوب من ضروب المسخ والتشويه والتزوير مثل ما لقيه تاريخ الشعب العربي.»»
وبغض النظر عن اختلاف القراءات التاريخية، فإن هذه الفكرة تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل امتلكنا نحن روايتنا التاريخية بما يكفي، أم تركنا الآخرين يروون تاريخنا بالنيابة عنا؟
لماذا أصبح هذا الموضوع أكثر إلحاحًا اليوم؟
في الوقت الذي تعصف فيه الحروب والصراعات بعدد من البلدان العربية، لم تعد حماية التراث مسألة أكاديمية أو ثقافية بعيدة عن الواقع.
العراق وسوريا وفلسطين وليبيا واليمن وغيرها من مناطق العالم العربي شهدت، بدرجات مختلفة، أخطارًا طالت مواقع أثرية ومدنًا تاريخية ومتاحف ومجموعات من التراث المادي.
هناك تدمير مادي مباشر: قصف، تخريب، نهب، تنقيب غير مشروع، واتجار بالقطع الأثرية.
لكن هناك أيضًا تدمير معنوي أكثر خطورة؛ وهو أن يفقد الإنسان صلته بتاريخ المكان الذي يعيش فيه.
عندما ينشأ جيل لا يعرف تاريخ مدنه وآثار بلاده، ولا يرى في الموقع الأثري جزءًا من ذاكرته وهويته، يصبح الدفاع عن هذا الموقع أكثر صعوبة.
وهنا تكمن المفارقة:
قد يُدمَّر الحجر في لحظة، لكن تدمير الوعي بقيمة الحجر قد يستغرق أجيالًا.
من سرقة الآثار إلى سرقة الرواية
إن نهب الآثار الذي نشهده اليوم لا يمكن النظر إليه دائمًا كظاهرة منفصلة عن تاريخ المنطقة.
فمنذ القرنين التاسع عشر والعشرين، شهد الشرق الأوسط نشاطًا واسعًا للبعثات والاستكشافات الأثرية الأجنبية، وانتقلت قطع أثرية مهمة من المنطقة إلى متاحف ومجموعات خارجها.
ومع انتقال القطعة من مكانها، كانت تنتقل معها أحيانًا قراءة معينة لتاريخها وسياقها الحضاري.
ثم جاء القرن الحادي والعشرون بما حمله من حروب واضطرابات، فوجدت شبكات الاتجار غير المشروع بالآثار بيئة خصبة للعمل، وأصبحت المواقع الأثرية في بعض المناطق هدفًا للنهب والتخريب.
لكن السؤال الذي يجب أن نتوقف أمامه هو:
ماذا يحدث عندما يفقد المجتمع إحساسه بأن هذه الآثار تخصه؟
النتيجة قد تكون خطيرة.
فالذي لا يعرف قيمة قطعة أثرية قد يبيعها بثمن زهيد. والذي يجهل تاريخ موقعه قد لا يشعر بضرورة حمايته. والذي يعتقد أن كل ما هو قديم في أرضه يعود بالضرورة إلى حضارات أخرى، قد ينظر إلى تراثه باعتباره شيئًا منفصلًا عن هويته.
التراث ليس مجرد حجارة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للتراث ليس سقوط مبنى، وإنما سقوط المعنى الذي يمثله هذا المبنى.
ولهذا فإن الحفاظ على التراث يجب ألا يبدأ من ورشة الترميم فقط، بل من المدرسة والجامعة والكتاب والإعلام.
علينا أن نعيد فتح ملفات تاريخنا، وأن نقرأ النقوش والعمارة واللغات القديمة، وأن نراجع الروايات التاريخية بمنهج علمي بعيد عن التقديس وبعيد أيضًا عن التبعية.
لسنا بحاجة إلى استبدال رواية برواية أخرى لمجرد أنها تخدمنا؛ نحن بحاجة إلى البحث العلمي الذي يقود إلى الحقيقة.
فالهدف ليس أن ننسب كل حجر إلى أنفسنا، وإنما أن نعرف بدقة من بناه، ومتى بناه، وكيف بناه، وما السياق الحضاري الذي أنتجه.
وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية للباحث.
استعادة التاريخ… استعادة للوعي
هذه الرسالة ليست مجرد محاولة لإضافة معلومات جديدة إلى رفوف المكتبات، وإنما هي دعوة إلى إعادة النظر في علاقتنا بتراثنا.
فالحفاظ على التراث لا يعني أن نحافظ على الجدران فقط، بل أن نحافظ على المعرفة التي تجعلنا نفهم لماذا يجب أن تبقى هذه الجدران.
الحجر بلا تاريخ مجرد مادة.
والتاريخ بلا وعي مجرد كلمات.
أما عندما يلتقي الحجر بالتاريخ والوعي، فإنه يتحول إلى ذاكرة وهوية وحضارة.
ومن هنا تبدأ الحكاية.



