
غزة: بين النظرية والقوانين
د. محمد عياش
حرير- ظهرت نظرية «أثر الفراشة» عام 1963 على يد عالم الأرصاد الجوية الأمريكي إدوارد نورتون لورنتز. وتتلخص في أن رفرفة جناح فراشة فوق نهرٍ ما في أعماق أفريقيا أو آسيا، قد تؤدي إلى سلسلة من الأحداث المتتابعة التي تنتهي بموجات تسونامي عملاقة، أو كوارث أخرى على نفس القدر من الهول!
تعمل قوانين الفيزياء بدقة ونجاح وكفاءة عالية عندما يتعلق الأمر بحل المشكلات أو تلبية احتياجات البشرية. ويبرز هنا القانون الثالث لنيوتن في الميكانيكا التقليدية كأحد أكثر الأمثلة شيوعاً، والذي ينص على أن القوى تنشأ دائماً كأزواج متقابلة؛ فكل فعل له رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه. ويعد تصنيف إحدى القوتين كفعل والأخرى كرد فعل أمراً تبادلياً، إذ يمكن اعتبار أي منهما فعلاً وتكون الأخرى رد فعل له.
وحدها فلسطين تتعطل فيها كل القوانين الفيزيائية والكيميائية وقوانين بقية العلوم؛ وتتساقط أمامها مصداقية المحاكم ذات السمعة الكونية، كمحكمة العدل الدولية في لاهاي، التي أطلت برأسها خجلاً بعدما دفعتها ومثّلت أمامها دولة عانت الأمرّين من الاحتلال والتمييز العنصري (الأبارتهايد) البغيض؛ جنوب أفريقيا.
يجرف البلدوزر الأمريكي «ترامب» كل المحاولات القانونية الدولية لمساءلة الكيان الصهيوني على جرائمه، لاسيما حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها يوميًا في قطاع غزة المنكوب؛ حتى إن الصروح الدولية – التي شكّلت سابقًا مصدر أمان للعالم – أصبحت اليوم مهددة بالعقوبات، في حين يستمر هذا الكيان في تنفيذ مشاريعه الاستيطانية، مستندًا إلى انفلات المستوطنين واعتداءاتهم في الضفة الغربية لتهجير المواطنين الفلسطينيين من أرضهم.
وسط هذا التغول الصهيوني والدعم اللامتناهي من دولة كالولايات المتحدة، بدا واضحاً أثر هذه السياسة العمياء على الساحة الدولية. ومع انطلاق العملية الانتخابية، تأثرت توجهات الناخبين والمرشحين بشكل ملحوظ، لدرجة دفع ببعض المرشحين إلى مناشدة اللوبيات الصهيونية الابتعادَ عن حملاتهم، بعد أن جاءت النتائج الأمريكية الأخيرة مخيبة لآمالهم. لقد فقدت تلك القوى بوصلة التأثير التي كانت تتحكم بها، والشواهد الملموسة على ذلك واضحة، ولا سيما بعد فوز بعض الأسماء البارزة مثل زهران ممداني.
نورتون، من موقعه في الولايات المتحدة، رأى أن نظرية ‘أثر الفراشة’ تتجلى اليوم في انعكاس أحداث غزة على الجانب الآخر من الكرة الأرضية؛ فالفظاعات التي تُرتكب هناك وتُنتهك فيها كل المحرمات، ستنعكس بموجات تسونامي سياسية وقانونية على أمريكا بسبب تعطيل القانون الدولي. وأن جيل الشباب الأمريكي لم تعد تنطلي عليه السرديات الصهيونية والروايات الكاذبة، بعد أن أتاح المجال الإعلامي المفتوح معرفة حقيقة ما يجري على أرض الواقع في غزة والضفة الغربية؛ ولهذا السبب، باتت واشنطن تلجأ إلى سياسة «القفز الباركوري» للالتفاف على القانون والسلم الدوليين.
إن نهر الدم الذي يسيل يومياً في غزة والضفة الغربية، وتكالب اليمين الصهيوني المتطرف، واستباحته للمقدسات، وتجاهله للمواثيق الدولية في محاولة لنسف الوجود التاريخي لشعب فلسطين، كل ذلك ينذر بانفجار وشيك للأوضاع. فالشعب الفلسطيني يملك مخزوناً هائلاً من الإرادة والأدوات النضالية التي ستنفجر بوجه السياسات الاقتلاعية، لتصل ارتداداتها وموجاتها إلى قلب الولايات المتحدة.
تدرك «إسرائيل» أن سياساتها وسرعة إعلانها عن المشاريع الاستيطانية، إلى جانب تحركاتها في لبنان وسوريا ورسم خطوط حمراء جديدة لتأمين حدودها، تشكّل استراتيجية استباقية للمتغيرات السياسية؛ وهي تحاول بذلك تثبيت واقع جديد خشية الملاحقة الدولية أو اتساع جبهة أعداء الولايات المتحدة وخصومها. من هنا، تسعى «تل أبيب» للاستمرار في هذا النهج قدر المستطاع خلال الفترة المتبقية لولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كما تعي تماماً أن صور المجازر، وأعداد الشهداء والجرحى، وملايين الأطنان من الركام، لن تُمحى أبداً من الذاكرة الجمعية الدولية، إذ ستظل هذه الدلائل تلاحقها، وهو ما يجعل إفلاتها من المساءلة والعقاب أمراً بعيد المنال.
تسونامي فلسطين قادم لا محالة، ولنأخذ بريطانيا مثالاً صارخاً على ذلك؛ حيث تجلت تصريحات وزير الخارجية البريطاني (اليهودي) إد ميليباند في المطالبة باتخاذ إجراءات حازمة ضد الاستيطان. فقد أعلن ميليباند إدانته لأفعال المستوطنين في الضفة الغربية، مشيراً إلى وجود أدلة على ارتكاب جرائم حرب في غزة، ومؤكداً عدم قانونية الاحتلال.
أعتقد أن مقدماتِ موجاتِ نظريةِ «أثر الفراشة»، وانعكاساتِها على القارة الأوروبية، وبريطانيا على وجه الخصوص، لن تتوقف عند هذه الحدود، بل ستتجاوز أعماقَ الولايات المتحدة محدثةً تصدعاتٍ وشقوقاً تكتونية إذا لم يتم الالتفاتُ إلى الحقوق الفلسطينية الشرعية.



