
الانتخابات الفلسطينية أم المشروع الوطني: أيهما له الأولوية؟
عبد الحميد صيام
حرير- بينما يتعرض قطاع غزة للمجازر التي لم تتوقف يوما واحدا، قبل وقف إطلاق النار وبعده، وفيما تتعرض الضفة الغربية لهجمات المستوطنين الوحشية ومصادرة الأراضي وقطع أشجار الزيتون، أو منع قطفها وسرقة الأغنام نهارا جهارا، وتواجه القدس اقتحامات المتطرفين الذين يؤدون صلوات تلمودية في باحات المسجد الأقصى بقيادة بن غفير، الذي يتفاخر بتغيير وضعية المسجد الأقصى، يقوم رئيس السلطة الفلسطينية بالدعوة لانتخابات المجلس التشريعي ودمجه بالمجلس الوطني وتأجيل الانتخابات الرئاسية… لا مرجعية ولا مساءلة ولا مشورة من أحد. يدير سلطة لا تمارس سيادة لا على الأرض ولا على السكان منذ انتخابه في كانون ثاني/ يناير 2005 رئيسا لمدة أربع سنوات يمكن تجديدها لمرة واحدة.
في سعيه للبقاء رئيسا مدى الحياة، مثل بعض الرؤساء والأمراء العرب، حل عباس المجلس التشريعي وهمش منظمة التحرير ومؤسساتها وألغى المحكمة الدستورية، «فخلا الميدان لحميدان»، كما يقول الفلسطينيون، ليحكم ويقرر ويلغي ويطرد ويجمد على هواه.
وعند الإعلان عن انتخابات عام 2021 وضع الرئيس عثرة للإلغاء وهي ضرورة إجراء الانتخابات في القدس الشرقية، وعندما تأكد من الخسارة وأن قائمة مروان البرغوثي ستحصد الغالبية الساحقة، ليس فقط من أصوات الشعب الفلسطيني، بل من أصوات حركة «فتح» كذلك، أصدر قرارا بإلغائها بحجة مواطني القدس.
النهج يتكرر الآن، بل إن استطلاعات الرأي لا تعطي تيار عباس أكثر من 10 في المئة في أحسن الحالات، ولكي يتجنب هذه النتيجة الحتمية فصّل الانتخابات على مقاسه حتى لو فازت المعارضة بجميع المقاعد الـ132 فلن يتغير شيئ. فالرئيس سيعين 68 مرشحا من الداخل وسيختار 150 من الشتات عن طريق ما سمي بالمجمعات الانتخابية، إذن سيكون لديه 218 مقعدا اختارهم واحدا واحدا، وهذا ما يذكرني بقصيدة « لمحمود درويش، قال فيها «سأختار أفراد شعبي واحدا واحدا. سأختاركم واحدا واحدا كي تكونوا جديرين بي».
هذه الانتخابات/ التعيينات جاءت بناء على نصائح من بعض الدول الأوروبية تحت حجة إصلاح السلطة الفلسطينية، فاستجاب عباس وأصدر قرار انتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني معا، وهذا ما أريد أن أفصل فيه بموضوعية.
المطالب الفلسطينية
أعتقد جازما أن الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني تود لو ترى إعادة ترتيب البيت الفلسطيني أولا بعد حرب الإبادة، بدءا من تشكيل قيادة انتقالية موحدة واسعة لا تستثني أحدأ تقود الشعب الفلسطيني عبر هذه المرحلة الأخطر في حياته منذ نكبة 1948. وقد قدّمت بيانات بكين وموسكو والجزائر والعلمين أرضية سليمة لمثل هذا التوافق، بإقرار مجموعة مبادئ أساسية للخروج أو محاولة الخروج من المأزق، تبدأ بتشكيل القيادة الانتقالية الموحدة التي لا تستثني أحدا بما فيها الفصائل الأساسية غير المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وثانيا التأكيد على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والركيزة الثالثة إعادة الاعتبار لمؤسسات المنظمة وتمكينها من قيادة العمل الوطني الفلسطيني، وحصر دور السلطة في موضوع الخدمات اليومية، والمرحلة الرابعة التحضير لانتخابات مجلس وطني فلسطيني شامل لكل أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن ودول اللجوء والشتات، بحيث يتم التأكيد على وحدة الأرض ووحدة الشعب ووحدة القضية، كما جسدها ميثاق منظمة التحرير لعام 1968.
إن الاعتراف بكارثة أوسلو، وما جرته من ويلات وكوارث على الشعب الفلسطيني، قد تكون نقطة البداية لمصالحة وطنية شاملة، ثم ننتقل إلى تكليف القيادة الانتقالية العمل على طرح برنامج إنقاذ وطني للخروج من عنق الزجاجة الذي تعيشه القضية الفلسطينية الآن. وحتى لا يظنن أحد أنني أطرح حلولا، أعود وأؤكد أن برنامج الإنقاذ يجب أن يأتي من قيادات وطنية شريفة يثق فيها الشعب الفلسطيني ويأتمنها على تقديم حلول سليمة تحت قاعدة «لا تفريط ولا إفراط»، آخذين بعين الاعتبار التهديد الوجودي في ظل التآمر الأمريكي والتغول الإسرائيلي والتفريط العربي والنفاق الأوروبي والتأييد الشعبي عالميا.
مسرحية الانتخابات
لا تجرى الانتخابات شعبيا عادة تحت الاحتلال، لكنها قد تحصل داخل الأحزاب أو الفصائل المقاتلة لمراجعة وتعديل أو تصويب المسار. تحت الاحتلال تكون مقاومة. هذه هي القاعدة الذهبية تاريخيا. لكن محاولات تقديم عروض إغرائية لأعداء الشعب الفلسطيني بأننا شعب حضاري وديمقراطي وتعددي وسلمي، وهذا صحيح، فتعالوا أعطونا جزءا من الحقوق على جزء من الأرض لجزء من الشعب. وهذا العرض لن يؤدي إلا إلى مزيد من التنازلات والانهيارات. والانتخابات المقبلة لن تقربنا من تلك الحقوق المجزوءة. فلا انتخابات 1976 التي انتهت باستهداف جميع الفائزين من التيار الوطني، غيرت طبيعة الاحتلال، بل زادته شراسة، ولا انتخابات 2006 تم الاعتراف بنتائجها، بل تم حصار الفائزين برا وبحرا وجوا وقطعت كل قنوات التعامل معهم، وحوصروا في غزة برا وبحرا وجوا وتحولت غزة إلى أكبر سجن بشري في العالم.
هذه الانتخابات التي يروج لها إعلام السلطة، لا تحمل سمة الانتخابات السليمة: فهي ليست حرة ولا شفافة ولا سلمية ولا مراقبة دولية. فلجنة الانتخابات التي يرأسها، رامي الحمد الله، رئيس وزراء السلطة الفلسطينية الأسبق (2013-2019) ليست مستقلة بل جاءت بالتعيين لمن يريدون لنتائج الانتخابات أن تجدد شرعيتهم المتآكلة منذ زمن بعيد. وكي يضمن عباس النتائج حدد عدد المرشحين في الضفة الغربية بما فيها القدس وغزة بـ132 مقعدا. ولنفترض أن الانتخابات ستكون نزيهة 100 في المئة، فهل ستسمح إسرائيل بمرشحين من حركة حماس مثلا أن يطلقوا حملة دعائية لبرامجهم بما فيها خيار المقاومة؟ وهل سيتحرك المرشحون في أنحاء الضفة الغربية بكل حرية للوصول إلى قواعدهم الانتخابية مرورا بأكثر من 900 حاجز وبوابة؟ وهل ستسمح السلطة أصلا أن يدخل تيار الإصلاح في فتح الذي يقوده دحلان الانتخابات بمرشحين يجاهرون بانتقاداتهم الحادة لعباس وسلطته. ثم كيف ستتم الانتخابات في غزة والناس محشورون في 110 كيلومترات مربعة من كل مساحة القطاع أي ما يعادل 30% فقط؟ وهل الانتخابات على رأس أولويات الناس هناك؟ أم الخبز والدواء والنفط ومقاعد الدراسة؟
ولنفرض جدلا أن المعارضة بأشكالها كافة حصلت على 70% من المقاعد أي نحو 90 مقعدا، فيبقى في يد السلطة نحو 42 مقعدا يضاف إليها المعينون ولهم 68 مقعدا. أضف إلى ذلك 150 مقعدا من دول الشتات. وتحت حجة تعذر إجراء الانتخابات في بعض دول الشتات مثل الأردن وسوريا وبعض دول الخليج، تم إلغاء كل الانتخابات في الخارج، أي إما انتخابات شاملة أو لا انتخابات. وهذا الذي تم، لقد أرسلت السلطة ممثيلها إلى الجاليات الفلسطينية في أوروبا وأمريكا والبرازيل وبعض دول الخليج وأجريت اللقاءات في السفارات الفلسطينية لعدد محدود جدا من الفلسطينيين المؤيدين للسلطة، وتم التوافق على اختيار شخصيات على طريقة المحاصصة لا يمثلون الجالية، ما دعا الجاليات الفلسطينية كافة لرفض أسلوب التعيين.
أصل إلى نتيجة حتمية أن هذه الانتخابات مفصلة على مقاس السلطة لتجديد شرعيتها المتهاوية. ما يريده الشعب الفلسطيني الآن ليس الانتخابات، بل الاتفاق على مشروع وطني شامل تصوغه القيادات الوطنية الفلسطينية والعبور نحو مرحلة انتقالية لإنقاذ القضية الفلسطينية ونحن نراها تترنح تحت ضربات الكيان الصهيوني وقطعان المستوطنين، الذين أخذوا على عاتقهم منع قيام دولة فلسطينية حتى ولو على شبر واحد من الأرض. المطلوب الآن إطفاء الحرائق وليس تبديل بعض مقاعد السلطة الحاكمة.



