العراق والانسحاب الأمريكي: متى جفّت دماء المستنقع؟

صبحي حديدي

حرير- بين «انتصار» جديد يزعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ الولايات المتحدة أحرزته (عبر الانسحاب من آخر قواعدها العسكرية، شمال العراق!)؛ و»انتصار» آخر، يأتي ولا يأتي، وينتظر البيت الأبيض إعلانه ساعة إنهاء الحرب الأمريكية (بشراكة أولى مباشرة من دولة الاحتلال الإسرائيلي) ضدّ إيران؛ ثمة طراز آخر مقابل، مشروع أكثر في واقع الأمور، تعلنه طهران ضدّ واشنطن: ليس بلسان ساستها المتفاخرين بإجبار الجيش الأمريكي على الانسحاب في هذه السياقات الملتبسة المتشابكة، فحسب؛ بل كذلك بألسنة الفصائل المذهبية العراقية ذات التبعية المطلقة والصريحة للمرشد الأعلى مجتبي، وريث أبيه القتيل علي خامنئي.

وأبعد من كوميديا فبركة هذه الأنساق من «انتصار» لا تليق به سوى صفات الهزيمة النكراء، ثمة أيضاً ما يُضحك في تصريحات ترامب التي تقول من حيث العلن إنّ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي «متميز»، و»رجل رائع، وصديق شخصي»، و»لسوف يكون قادراً على معالجة الأمور بشكل جيد جداً». وأمّا في الاستبطان فإنها توحي بأنّ ترامب ساند الزيدي في الانتخابات (التي لم يخضها الأخير أصلاً!)، و»لم تكن لديه أدنى فرصة، لكنني أيدته، وتدخلت لصالحه، قليلاً فانتهت به الحال إلى تحقيق فوز ساحق».

ولا عجب أنّ الجانب المضحك/ المبكي في آن معاً، أتى من الزيدي نفسه؛ فلم يتردد في اعتبار إخلاء قاعدة أربيل العسكرية الأمريكية دليلاً على أنّ «التعاون بين القوات الصديقة والشعوب الصديقة أثمر انتصاراً على واحدة من أحلك صفحات التطرّف والوحشية في التاريخ». والأنكى، في واحدة من ذرى استغفال العقول بلا قطرة حياء، أنه أطلق على الانسحاب الأمريكي صفة «يوم السيادة»، وأنه «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوّة خارج مؤسسات الدولة»؛ بينما الفصائل المذهبية الكبرى ذات التبعية الإيرانية المطلقة، لم تتنازل عن بندقية صيد، ولا تنوي ذلك في أيّ مدى منظور.

طريف، إلى هذا، أنّ ترامب لم يتحرج من استخدام مفردة «المستنقع» في توصيف «زمن طويل» صرفته الولايات المتحدة في العراق، انطوى على «اتخاذ قرارات سيئة للغاية أجبرتنا على التورط في هذا المستنقع أساساً. لقد كان مستنقعاً. على امتداد سنوات عديدة، عديدة. ولكن سرعان ما انتهى هذا الشطر من التاريخ». انتهى بفضله، كما قصد القول، متجاهلاً أنّ جميع أسلافه من رؤساء الولايات المتحدة، بينهم اثنان من أبناء الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، كانوا وراء اللهاث إلى ذلك المستنقع العراقي، وتلهفوا على التمرّغ في أوحاله: دماء مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء، بالأحرى.

ومناسبة المستنقع هذه تحثّ على استدعاء مقولة بليغة كان دويل ماكمانوس، الكاتب في صحيفة «لوس أنجليس تايمز» الأمريكية، قد نقلها عن ضابط في قوّات الـ»مارينز»، بعد دقائق من توغّل دبابات وحدته في قلب بغداد، مطلع نيسان (أبريل) 2003: «ها قد وصلنا. نحن الكلب الذي اصطاد السيّارة. ماذا سنفعل بها الآن»؟ وفي الواقع كان الضابط الأمريكي (الحصيف بقدر واقعيته) يعيد باللغة اليانكية صياغة الحكمة الشهيرة التي أطلقها في مطالع القرن التاسع عشر كارل فون كلاوزفيتز، الضابط البروسي الشهير وأحد أعظم أدمغة التفكير في شؤون الحرب ومعضلات السلام الذي يلي الانتصار العسكري: «في الحرب ليس ثمة نتيجة نهائية».

أو، في النظائر المنطقية لكلّ وأيّ حرب: قد ينقلب السحر على الساحر، فتبتلع السيارةُ الكلب، وربما القائد خلفه مباشرة أو عبر الفيافي والقفار والصحارى والبحار والمحيطات. فلم يعد من جديد، ما خلا تراكم تفاصيل أكثر تأكيداً للمؤكد وأشدّ تثبيتاً لواقع في الحال محزن وبائس؛ أنّ انقضاء 23 سنة على ذلك «التحرير»، الذي وُصم به الغزو الأمريكي ــ البريطاني للعراق، رسخت تجليات المعادلة الجدلية العسيرة وراء غزو عسكري سهل، مارسته قوّة عظمى، نصّبت أنصارها وأزلامها في سدّة الحكم، دون التبصّر في معضلات السلام الأهلي الذي يعقب الغزو.

فلقد كانت خلاصة بدهية أن يُجبر الغازي الأمريكي على مواجهة معضلات عاجلة تقتضي تطبيق حلول عاجلة؛ ليس من دون الاضطرار إلى الغرق أكثر فأكثر في وحول المستنقع، الذي سوف يتضرّج بالدماء أيضاً وبالضرورة. كذلك لم يكن ثمة مخرج يُبعد الغازي عن مصارعة المعضلات الكبرى للشطر الأصعب في سيرورة الغزو: هضم العراق، البلد والحضارة والتنوّع الفسيفسائي المعقد، وبلوغ درجة دنيا من السلام الذي لا مناص من بلوغ بعضه قبل إعلان الظفر الشامل.

كانت أولى علائم التورط في المستنقع قد أتت من الأمريكي سكوت ريتر، الذي كان أشهر مفتّشي الـ»أونسكوم»، لجنة الأمم المتحدة التي كُلّفت بنزع أسلحة الدمار الشامل في العراق؛ قبل أن يتقدّم باستقالة مدوية، ويصدر كتابه الثاني، «الحرب على العراق»، مفنداً ذرائع بوش الابن في تبرير شنّ الحرب. ولقد سرد ريتر جملة حجج مضادة، بينها التالية: 1) لا توجد رابطة بين صدام حسين و»القاعدة»؛ و2) إمكانيات العراق، الكيميائية والبيولوجية والنووية، دُمّرت في السنوات التي أعقبت حرب الخليج؛ و3) المراقبة عن طريق الأقمار الصناعية كانت، وتظلّ، قادرة على كشف أيّ مراكز جديدة لإنتاج الأسلحة؛ و4) تغيير النظام بالقوّة لن يجلب الديمقراطية إلى العراق…

كذلك، كي لا يذهب المرء بعيداً في تشخيص تلك المآلات، قد يكون مفيداً اقتباس الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما نفسه، حول هذا الغزو: إنه الأطول من الحربين العالميتين الأولى والثانية، والأطول من الحرب الأهلية الأمريكية، وقد جعل أمريكا أقلّ أماناً، وأضعف نفوذها في العالم، وزاد من قوّة إيران، وعزّز حركة «طالبان» وكوريا الشمالية وتنظيم «القاعدة»… ما تعمد أوباما إغفاله هو أنّ تلك هي الحال الكلاسيكية التي انتهت إليها جميع حروب الإمبراطورية الأمريكية المعاصرة، بوصفها أسوأ مَن يستخدم الجبروت العسكري، وبالتالي أردأ مَن يتعلّم دروس التاريخ.

وأين عراق هذه الأيام من ذلك الاستيهام الذي قفز إليه رئيس أمريكي أسبق آخر، جورج بوش الابن آمر الغزو نفسه: «إنّ عراقاً محرّراً يمكن أن يبيّن قوّة الحرّية في تحويل تلك المنطقة الحيوية عن طريق تقديم الأمل والتقدّم إلى حياة الملايين. إنّ اهتمام أمريكا بالأمن، وإيمانها بالحرية، يقودان معاً إلى اتجاه واحد: إلى عراق حرّ ومسالم». وأمّا في أروقة البيت الأبيض الداخلية، لدى مستشارين أقلّ تمسكاً بالأوهام، على صعيد الصقور مثل الحمائم؛ كان اليقين السائد هو التالي المنطقي تماماً: أوّل، وأيّ، انتخابات سوف تجلب أغلبية شيعية، وستُدخل إيران من البوابة الأعرض، وستتنامى الفصائل الموالية، حتى قبل أن يُسمع باسم مدينة الفلوجة، أو تتردد أسماء مثل علي السيستاني وأبو مهدي المهندس ومقتدى الصدر و»الحشد الشعبي»…

وهكذا، صبيحة انسحاب واشنطن من آخر قواعدها العسكرية في العراق، ثمة أسئلة تتكاثر بمعدلات لا تتناسب، في الحدود الدنيا، مع ما يتوجب أن تفرزه من إجابات؛ على صعيد اشتراطات منطقية من الطراز التالي: ما علاج مخاوف الكرد في الشمال، وغالبية غير ضئيلة من السنّة هنا وهناك؟ وإلى أين ستنتهي وعود الزيدي بعراق لا سلاح فيه «خارج مظلة القانون»، ما دامت الفصائل الكبرى مثل الصغرى على حالها؟ وكم ستتمدد إيران أكثر، في ضوء سياقات الحرب الأمريكية ــ الإيرانية الراهنة؟ ثمّ، والجوهري تحصيل الحاصل: هل ستجفّ مستنقعات العراق، والأحرى السؤال: هل جفّت الدماء بين الوحول، في أيّ يوم؟

مقالات ذات صلة