“صرخة وجع وخذلان من أرض غزة”

بقلم الدكتور الأب سيمون بيترو حرو الفرنسيسكاني.

من غزة لا تأتي اليوم صرخة تبحث عن التعاطف، بل صرخة تبحث عن ضميرٍ يسمعها.

إلى كل من يتحدث عن «الصمود» و«الحفاظ على الوجود» من خلف الكلمات والشاشات، نقول: نحن في غزة لا نحتاج إلى من يذكّرنا بالصمود. لقد صمدنا حتى صار الصمود نفسه ينزف من أجسادنا، ويثقل أرواحنا، ويختبر قدرتنا على احتمال يومٍ جديد.

نحن لا نريد أن نُهجَّر، ولا نريد أن نغادر أرضنا، ولا أن نترك بيوتنا وكنائسنا وذكرياتنا وقبور آبائنا وأجدادنا. هذه الأرض ليست مجرد مكان نقيم فيه؛ إنها ذاكرة وهوية وجذور وحكاية عمر.

لكن بالله عليكم: أي وجود نحافظ عليه إذا كان الإنسان نفسه يُقتل؟

ما قيمة كنيسة تبقى حجارتها، بينما يرحل أبناؤها واحدًا تلو الآخر؟
ما قيمة بيتٍ يبقى قائمًا، إذا غاب أهله تحت الركام؟
ما قيمة أرضٍ تتحول إلى مقبرة؟
وما معنى الهوية إذا لم يبقَ أحياء يحملونها، ويصلّون فيها، ويزرعونها حبًا وحياة؟

نحن لا نطلب الهروب من أرضنا، ولا التخلي عن حقنا فيها، ولا التنازل عن ذاكرتنا وكرامتنا. نحن نطلب شيئًا أبسط وأعمق: أن تتوقف آلة الموت، وأن تُحمى حياة الإنسان.

لقد فقدنا أحباءنا، ورأينا الجرحى والمصابين، وعشنا الخوف، ورأينا أطفالًا يكبرون قبل أوانهم، وأمهاتٍ يحملن في قلوبهن وجعًا تعجز اللغة عن وصفه. رأينا كيف يمكن للحرب أن تسلب الإنسان بيته وأمانه وطمأنينته، ثم تطلب منه بعد ذلك أن يبتسم ويتحدث عن الصمود.

كفى أن يُطلب من الضحية أن تثبت صمودها كل يوم بدمها.

إن كان الإنسان صورة الله، فإن حماية حياته ليست تراجعًا عن المبدأ، ولا ضعفًا في الانتماء، ولا خيانة للأرض؛ بل هي أقدس ما في كل مبدأ، وأصدق تعبير عن الإيمان والإنسانية.

نحن أبناء غزة المسيحيين لا نريد أن نُكتب في صفحات التاريخ بوصفنا «بقايا وجود»، ولا أن تتحول كنائسنا إلى شواهد على جماعة كانت هنا ذات يوم. نريد أن نبقى أحياء؛ نصلّي، ونعيش، ونحب، ونربي أبناءنا، ونحمي ذاكرتنا، ونبني مستقبلنا في أرضنا بكرامة وأمان.

لا تجعلوا من صمودنا واجبًا أبديًا، ولا تجعلوا من دمائنا ثمنًا للوجود.

الصمود الحقيقي ليس أن يموت الإنسان كي يثبت أنه بقي، بل أن يُمنح الفرصة ليبقى حيًا ويصنع الحياة.

نحن لا نقول: خذونا بعيدًا عن أرضنا.
بل نقول: اتركونا نعيش فيها.

لا نقول: نريد الرحيل.
بل نقول: أوقفوا الموت كي لا يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد.

لا نطلب امتيازًا، ولا شفقة، ولا خطابًا جديدًا عن الصمود. نطلب حقًا بسيطًا لا ينبغي أن يحتاج إلى كل هذه الدماء كي يُفهم: حق الإنسان في الحياة.

هذه ليست دعوة إلى الرحيل، ولا استسلامًا أمام الألم، ولا تخليًا عن الأرض والهوية. إنها صرخة إنسانٍ أنهكه الموت، لكنه ما زال يتشبث بالحياة؛ صرخة إنسان يريد أن يبقى حيث وُلد، لا لكي يموت هناك، بل لكي يعيش هناك.

ومن غزة، من بين الركام والوجع، يبقى السؤال معلّقًا أمام ضمير العالم:

إذا كان الحفاظ على الوجود يتطلب أن نفقد الإنسان، فماذا بقي من معنى الوجود؟

نحن نريد أن نبقى…
لكننا نريد أن نبقى أحياء.

مقالات ذات صلة