
هل يمكن للأندية تغيير جنسيتها الكروية والانتقال لدوريات أخرى؟.. موقف فيفا ويويفا
حرير- هل يمكن لنادٍ لكرة القدم أن يقرر فجأة مغادرة دوري بلاده والانضمام إلى دوري دولة أخرى؟ السؤال قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى، لكن كرة القدم الأوروبية قدمت بالفعل نماذج لأندية عبرت الحدود، وإن كان ذلك لأسباب وظروف مختلفة تمامًا.
هل يمكن للأندية الانتقال لدوريات أخرى؟.. القصة الكاملة لحالات نادرة
بحسب تقرير نشرته شبكة “Tribuna” العالمية، فإن كرة القدم الأوروبية لا تزال مرتبطة بشكل وثيق بالحدود الوطنية والاتحادات المحلية، رغم التحول الهائل الذي طرأ على اللعبة وتحول الأندية الكبرى إلى مؤسسات اقتصادية ضخمة تتجاوز جماهيرها وأسواقها حدود دولها.
في الوقت الذي يستطيع فيه مالكو أندية في الرياضات الأمريكية نقل فرقهم إلى مدن أخرى بحثًا عن سوق أكبر أو ملعب أفضل أو مزايا اقتصادية، فإن الأمر مختلف تمامًا في كرة القدم الأوروبية، حيث لا يستطيع النادي ببساطة أن يقرر أن دوري دولة أخرى سيكون أفضل بالنسبة إليه.
وفقًا لتقرير الشبكة العالمية، فهناك بالفعل أندية أوروبية تلعب في دوريات دول أخرى، إلا أن ظروف انتقالها لم تكن واحدة.
بعض هذه الحالات ارتبط بالحروب أو الأزمات السياسية، بينما لعبت عوامل الجغرافيا وصغر حجم بعض الدول دورًا أساسيًا في حالات أخرى، في حين ارتبطت قصة موناكو بالجانب الاقتصادي والضريبي.
لهذا، فإن هذه النماذج لا تعني أن الأندية تستطيع تغيير “بلدها الكروي” متى أرادت، وإنما تكشف وجود استثناءات سمحت بها الاتحادات والجهات المنظمة في ظروف محددة.
ديري سيتي.. السياسة دفعت النادي لعبور الحدود
يعد ديري سيتي من أبرز الأمثلة على نادي اضطر إلى تغيير منظومته الكروية بسبب ظروف سياسية وأمنية.
يقع مقر النادي في أيرلندا الشمالية، وكان يلعب في الدوري الأيرلندي، لكن الاضطرابات السياسية التي شهدتها المنطقة جعلت ملعبه “براندي ويل” غير آمن لاستضافة مباريات الدوري.
في عام 1971، بدأت أندية زائرة في رفض السفر إلى ديري، بعدما تعرضت حافلة فريق باليمينا يونايتد للهجوم والحرق، قبل أن تقرر الشرطة في النهاية أن الملعب غير آمن لإقامة مباريات الدوري.
اضطر ديري سيتي إلى خوض مبارياته على ملعب في كوليرين، التي تبعد نحو 30 ميلًا، لكن المشجعين توقفوا عن السفر بأعدادهم المعتادة، وتراجع دخل النادي، وأصبح استمرار الوضع صعبًا للغاية.
في أكتوبر 1972، غادر ديري سيتي الدوري الأيرلندي، وبعد 13 عامًا من المحاولات للعودة إلى دوري المحترفين، اتجه النادي جنوبًا عام 1985 وتقدم بطلب للانضمام إلى الدوري الأيرلندي في جمهورية أيرلندا.
حصل النادي على موافقة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم، ليبدأ مرحلة جديدة داخل نظام كرة القدم الأيرلندي.
أندورا.. عندما لا يكون هناك دوري محلي
قصة نادي إف سي أندورا مختلفة، إذ ارتبطت بشكل أساسي بغياب نظام كرة قدم محلي في البلاد، فعندما تأسس النادي عام 1942، لم تكن أندورا تمتلك اتحاد كرة قدم خاصًا بها، ولم يُنشأ الاتحاد الأندوري لكرة القدم إلا عام 1994.
بدلًا من انتظار إنشاء نظام محلي، حصل النادي على إذن من الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الإسباني لكرة القدم للعب في إسبانيا عبر الاتحاد الكتالوني لكرة القدم.
خاض إف سي أندورا معظم سنواته الأولى في الدرجات الدنيا من كرة القدم الإسبانية، قبل أن يدفع استثمار مجموعة “كوسموس” التابعة لجيرارد بيكيه النادي إلى مستويات أعلى، حتى وصل إلى دوري الدرجة الثانية الإسباني.
موناكو.. عندما تصطدم كرة القدم بالضرائب
أما موناكو، فيقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا، فالنادي ينتمي إلى دولة مستقلة، لكنه يلعب ضمن منظومة كرة القدم الفرنسية منذ عقود، ويشارك في الدوري الفرنسي، كما يمثل فرنسا في المسابقات الأوروبية.
تسببت المزايا الضريبية التي تتمتع بها موناكو في إثارة خلافات مع كرة القدم الفرنسية، خصوصًا أن الإمارة لا تفرض ضريبة دخل على معظم المقيمين فيها.
تصاعد الخلاف عندما فرضت فرنسا ضريبة بنسبة 75% على الدخول المرتفعة جدًا، لتسعى رابطة الدوري الفرنسي عام 2013 إلى إجبار موناكو على نقل مقره الرئيسي إلى فرنسا.
قاوم النادي القرار، قبل التوصل إلى اتفاق عام 2014 يقضي بدفع موناكو 50 مليون يورو مقابل الإبقاء على مقره في الإمارة والاستمرار في الدوري الفرنسي، إلا أن مجلس الدولة الفرنسي قضى لاحقًا بعدم قانونية الاتفاق.
فادوز.. نادٍ سويسري في الدوري يمثل ليختنشتاين أوروبيًا
تقدم ليختنشتاين نموذجًا أكثر غرابة، فهي من أصغر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ولا تمتلك دوريًا وطنيًا.
لهذا تلعب أندية البلاد السبعة داخل نظام الدوري السويسري، ومن بينها نادي فادوز الذي يعد أشهر هذه الحالات.
لكن فادوز لا يفقد هويته الليختنشتاينية، إذ يتأهل إلى البطولات الأوروبية من خلال كأس ليختنشتاين وليس عبر مركزه في الدوري السويسري.
في عام 2022، أصبح فادوز أول نادٍ من ليختنشتاين يصل إلى دور المجموعات في إحدى بطولات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، بعدما فاز بكأس بلاده ثم تجاوز التصفيات.
الأغرب أن فادوز يمكنه إنهاء موسم الدوري السويسري في الصدارة، لكنه لا يستطيع التتويج بلقب الدوري، إذ يذهب اللقب إلى النادي السويسري صاحب المركز الأعلى بعده.
هل يمكن للأندية تغيير جنسيتها الكروية؟.. قواعد فيفا ويويفا تحسم الإجابة
هنا تظهر المشكلة الحقيقية، فالنادي يستطيع تغيير ملعبه أو مالكيه أو حتى اسمه، لكن الانتقال إلى دوري دولة أخرى أمر مختلف تمامًا، لأنه يصبح جزءًا من منظومة كروية جديدة تخضع لقواعد اتحاد وطني مختلف.
بحسب القواعد المنظمة، لا يمكن للأندية أو الروابط الانضمام إلى اتحاد كرة قدم في دولة أخرى أو المشاركة في مسابقاته بمفردها، إذ يتطلب الأمر موافقات من الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” والاتحاد القاري والاتحادات الوطنية المعنية.
هذا يعني أن أي نادٍ يريد الانتقال إلى دوري دولة أخرى قد يواجه اعتراضات من أكثر من جهة.
حتى إذا حصل نادٍ على موافقة لعب مبارياته في دولة أخرى، فهناك مشكلة أخرى تتعلق بالمشاركة الأوروبية، فالمقاعد المؤهلة إلى دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي ودوري المؤتمر الأوروبي ترتبط بالمسابقات والاتحادات الوطنية، وبالتالي فإن تغيير المنظومة الكروية قد يغير طريق النادي نحو البطولات الأوروبية.
كما تزيد قواعد ترخيص الأندية في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” من صعوبة العملية، إذ تشترط اللوائح في حالات معينة ارتباط النادي باتحاد وطني لمدة ثلاثة مواسم متتالية على الأقل، مع مشاركة الفريق الأول في مسابقات وطنية رسمية خلال هذه الفترة.
هنا تظهر ما تعرف بـ”قاعدة السنوات الثلاث”، التي تمنع الأندية من استخدام تغيير المنظومة الكروية كطريق سريع للحصول على مزايا جديدة.
كارديف وسوانزي.. محاولة لجمع نظامين
في عام 2025، دعم الاتحاد الويلزي لكرة القدم مشروع “بروجيكت سيمرو”، الذي كان يستهدف مشاركة كارديف سيتي وسوانزي سيتي وريكسهام ونيوبورت كاونتي في كأس الدوري الويلزي، إلى جانب استمرار مشاركتهم في هرم كرة القدم الإنجليزية.
كان المقترح يحمل فوائد مالية للكرة الويلزية، قدرت بنحو 3 ملايين جنيه إسترليني سنويًا، لكن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم رفض الخطة.
تكشف هذه الواقعة مدى صعوبة الجمع بين نظامين كرويين مختلفين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمال والمنافسات الأوروبية.
هل يستطيع برشلونة تغيير الدوري؟
إذا كانت الأندية الصغيرة استطاعت عبور الحدود في ظروف استثنائية، فماذا عن العمالقة؟
خلال أزمة استقلال كتالونيا، ظهر نقاش حول مستقبل برشلونة إذا انفصلت كتالونيا عن إسبانيا، وبرزت في ذلك الوقت فكرة انتقال النادي إلى الدوري الفرنسي.
حتى رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق مانويل فالس، المولود في برشلونة والمعروف بتشجيعه للنادي، طرح إمكانية انضمام برشلونة إلى الدوري الفرنسي.
لكن الفكرة لم تكن مشروعًا رسميًا، وإنما كانت جزءًا من نقاش سياسي، ولم تتحول إلى مفاوضات فعلية مع رابطة الدوري الفرنسي.
سلتيك ورينجرز.. حلم الدوري الإنجليزي
الأمر نفسه ينطبق على سلتيك ورينجرز، صاحبي الشعبية الكبيرة في اسكتلندا، فالناديان يمتلكان جماهير ضخمة وتاريخًا أوروبيًا طويلًا، لكن السوق الاسكتلندي أصغر كثيرًا من السوق الإنجليزي، وهو ما جعل فكرة الانتقال إلى إنجلترا تظهر أكثر من مرة.
في عام 2009، نوقش مقترح لإدخال الناديين في دوري إنجليزي موسع، لكن الفكرة لم تنجح، بعدما صوتت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز بأغلبية ساحقة ضدها، ورفضها 14 ناديًا.
من وجهة نظر سلتيك ورينجرز، كان الانتقال سيعني أموالًا أكبر ومباريات أقوى وجمهورًا تلفزيونيًا أوسع، لكن الأندية الإنجليزية لم تكن مستعدة ببساطة لإضافة منافسين جديدين وتقاسم عائدات البطولة معهم.
بينيليجا.. هل يكون الحل دوريًا عابرًا للحدود؟
بدلًا من انتقال نادٍ واحد إلى دولة أخرى، ظهرت فكرة مختلفة تقوم على دمج أفضل أندية دولتين في دوري مشترك.
كان مشروع “بينيليجا” من أبرز المحاولات، حيث استهدف جمع أفضل أندية بلجيكا وهولندا في بطولة واحدة قادرة على منافسة الدوريات الأوروبية الكبرى.
قدرت شركة “ديلويت” أن البطولة المشتركة كان يمكن أن تحقق ما بين 250 و400 مليون يورو من حقوق البث والصفقات التجارية.
لكن المشروع واجه اعتراضات من الأندية التي كانت تخشى خسارة أهم مبارياتها وجزء من إيراداتها، إلى جانب مشكلة المقاعد الأوروبية المنفصلة التي تمتلكها بلجيكا وهولندا.
في عام 2022، قررت الأندية الهولندية عدم وجود دعم كافٍ للمشروع، ليتم إسقاط فكرة بينيليجا.
المال لا يكفي لتغيير خريطة كرة القدم
ظهرت أيضًا أفكار لإنشاء “دوري الأطلسي”، يجمع أندية كبيرة من أسواق أوروبية أصغر، من بينها أياكس وبي إس في وفينورد وسلتيك ورينجرز وأندية من بلجيكا والدول الإسكندنافية.
الفكرة كانت واضحة: إنشاء سوق أكبر تستطيع هذه الأندية من خلاله منافسة الموارد المالية التي تتمتع بها أندية إنجلترا وإسبانيا.
لكن المشكلة كانت في الدوريات المحلية، التي قد تخسر أكبر أنديتها وأكثر فرقها جذبًا للجماهير والرعاة.
هنا تعود كرة القدم الأوروبية إلى معادلتها الأساسية: ما قد يكون مفيدًا لنادٍ كبير قد يكون ضارًا بالنظام الكروي الذي ينتمي إليه.
قضية السوبرليج.. عندما وصلت الأزمة إلى المحاكم
لم يعد الجدل حول حدود سلطة الاتحادات مجرد نقاش رياضي، بل وصل إلى المحاكم الأوروبية.
في ديسمبر 2023، أصدرت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي حكمًا في قضية دوري السوبر الأوروبي، قضت فيه بأن قواعد فيفا ويويفا الخاصة بالموافقة المسبقة على مسابقات الأندية الدولية الجديدة لم تكن متوافقة مع قانون الاتحاد الأوروبي للمنافسة بالشكل الذي كانت مطبقة به، خصوصًا مع منح الهيئات صلاحيات واسعة لمنع المسابقات دون قواعد واضحة وشفافة وموضوعية.
لكن الحكم لم يمنح الأندية حرية مطلقة للانفصال عن منظوماتها المحلية أو إنشاء البطولات التي تريدها، فالمحكمة لم تنفِ دور الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في إدارة كرة القدم الأوروبية، كما أن معايير مثل الجدارة الرياضية وهيكلة المسابقات وتنظيم الجدول الزمني تظل من اختصاصات الجهات المنظمة ضمن القواعد القانونية.
منذ ذلك الحين، عمل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم على تعديل قواعده المتعلقة بالموافقة على مسابقات الأندية الدولية الجديدة.
هل تتغير الخريطة الكروية مستقبلًا؟
كل ما سبق يرد على سؤال: هل تستطيع الأندية تغيير “جنسيتها الكروية”؟.. الإجابة ببساطة: نعم، لكن ليس بقرار منفرد من النادي.
كرة القدم الأوروبية تعرف بالفعل أندية تلعب خارج منظومتها الوطنية، لكن كل حالة تقريبًا جاءت نتيجة ظروف استثنائية تتعلق بالسياسة أو الجغرافيا أو غياب دوري محلي أو ترتيبات اقتصادية خاصة.
أما انتقال نادٍ كبير من دوري إلى آخر بحثًا عن المال أو المنافسة، فهو أمر أكثر تعقيدًا بكثير، فالنادي لا ينقل نفسه فقط، بل ينقل معه جماهيره، وحقوق البث، والمقاعد الأوروبية، والاستثمارات، والتوازن التنافسي، وربما جزءًا من القيمة التجارية للدوري الذي يتركه.
لهذا، ورغم أن كرة القدم أصبحت صناعة عالمية تتجاوز الحدود، فإن خريطتها لا تزال حتى الآن مبنية على الاتحادات الوطنية.
قد تتغير هذه الخريطة مستقبلًا إذا أصبحت المصالح الاقتصادية للأندية الكبرى أقوى من النظام التقليدي، لكن في الوقت الحالي، لا يستطيع أي نادٍ ببساطة أن يستيقظ صباحًا ويقرر أن بلدًا آخر ودوريًا آخر أصبحا موطنه الكروي الجديد.



