في سوريا: سلطة مرحلة أم مرحلة سلطة؟

بكر صدقي

حرير- يظهر في مقطع فيديو، انتشر مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي، شخص مطقّم ملتح يمسك في يده ميكروفوناً، يوبّخ فيه جمهوراً في قاعة مغلقة «لاتهام» (!) بعض منهم أحمد الشرع بأنه «رئيس انتقالي» بحسب كلامه، ليعلق بأنه «والله والله!» لم يسمع هذا التوصيف إلا من جماعة الهجري وإسرائيل! الأمر الذي قال إنه حرمه من النوم طوال الليل! فيقاطعه الجمهور بهتافات استنكار ثم يغادر بعض منهم القاعة فرادى.

يتضح من خلال البحث أن الرجل المتكلم يدعى مازن زيدان (أبو منذر) المعرّف على أنه «رئيس مجلس أمناء حي جوبر في دمشق» وأن الاجتماع قد عقد للتباحث حول إعادة إعمار الحي الذي تعرض لخراب عمراني كبير طوال سنوات الحرب. ومعروف أن ثمة خلافاً حاداً بين السلطة الانتقالية وأهالي الحي بهذا الشأن، حيث يمنع النازحون من الحي في سنوات الحرب من العودة إلى منطقتهم لترميم منازلهم بجهودهم الخاصة، في حين أن لدى السلطة مشاريع استثمارية في إعادة البناء ستكون على حسابهم كما يقولون. وهذه ليست الحالة الوحيدة التي ينشب فيها خلاف كبير حول موضوع الاستملاكات التي تعمل عليها السلطة مع أصحاب العقارات الأصليين المتضررين من تلك المشاريع، فقد شهدنا في الأسابيع الماضية وقفات احتجاجية للمتضررين في مناطق مختلفة من دمشق وريفها.

أما زيدان فهو ضابط سابق في جيش نظام الأسد برتبة عميد تنكب مهمات استخبارية في لبنان أيام عهد الوصاية، فكوفئ على أدائه بمنحه رئاسة أحد فروع المخابرات العسكرية. وليس هناك تاريخ معروف لإعلان انشقاقه من أجهزة النظام الساقط، لكنه ظهر بعد سقوطه لينضم إلى بنية السلطة الانتقالية. هذه الخلفية الاستخباراتية في عهد النظام الأسدي برزت في موجة الاستياء الحادة ضد تصريحاته المشار إليها فوق، فقال عنه جوبريون إنه، بهجومه على أهالي الحي بسبب وصفهم للسلطة بالانتقالية قد أظهر معدنه الذي تشكل في كنف نظام الأسد، فلا يقبل أي رأي مخالف لرأيه بل يصفه بالعمالة لإسرائيل.

حقاً ما هي مشكلة الأصوات الموالية للسلطة مع صفة «الانتقالي» المنصوص عليها في الإعلان الدستوري الذي وضعته السلطة نفسها، وحدد فترة خمس سنوات للفترة الانتقالية؟

يمكن القول إن السلطة نفسها تعمل على تطبيع حالتها كنظام دائم أو أبدي «إلى يوم القيامة» بحسب الرطانة «الشعرية» لوزير الثقافة في الحكومة الانتقالية. فكان إنجازها الوحيد هو تشكيل جهاز أمني متضخم من خلال تنسيب متطوعين من لون طائفي واحد مع دورات شرعية مكثفة لضمان الولاء الإيديولوجي. أما الجيش الذي قام على نفس المبدأ في التنسيب فهو ما زال مفككاً بفعل «مكوناته» شبه المستقلة، أي الفصائل المسلحة التي تم ضمها من غير أي تفكيك لبنيتها السابقة على سقوط النظام.

في جميع المجالات الأخرى يلمس السوريون فشلاً لم يكن مفاجئاً بسبب إصرار السلطة على التفرد والمحسوبية وإبعاد الكفاءات الوطنية.

لقد استهترت السلطة الانقلابية بالشرعية الوطنية فذهب قصر النظر بها إلى الاعتقاد ان الشرعية الخارجية كافية لمواجهة التحديات الداخلية. وكانت تأمل أن الدول التي احتضنتها سياسياً وإعلامياً وعملت على رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وعلى رفع صفة الإرهابي عن الشرع وأنس خطاب، وأخيراً رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما ضغطت على قسد لإرغامها على «الاندماج»، سوف تقوم بتقديم مساعدات مادية أو تستثمر أموالها في سوريا. لكن نتيجة ما يقترب من عامين في السلطة لم يتم إنجاز أي من الالتزامات التي تعهدت بها أمام تلك الدول، وبصورة خاصة مع القيادة الأمريكية. ما تلك الالتزامات؟ يمكننا التكهن بأن أهمها هو القضاء على المجموعات السلفية الجهادية التي استولت على الحكم بتسهيل من توافق دولي. إن موافقة ترامب على ضم سوريا إلى الائتلاف الدولي لمحاربة الإرهاب يسمح لنا بهذا التكهن. واقع الحال أن أول فشل في هذه المهمة ظهر في حدث كان بمثابة الفضيحة، أعني حادثة تدمر حيث هاجم أحد أعضاء جهاز الأمن العام عسكريين أمريكيين وسوريين وقتل ثلاثة منهم، وذلك بعد أسابيع قليلة على انضمام سوريا إلى الائتلاف المذكور! صحيح أن ترامب قد سعى إلى لفلفة الموضوع، لكن المستوى الأمني في الدولة الأمريكية لا ينسى.

قال رائد الصالح في نيويورك إن «المجتمع الدولي قد خذل سوريا للمرة الثانية» وذلك بسبب غياب أي دعم أو استثمارات تحتاجها سوريا للبدء بتضميد جراحها، وتحتاجها السلطة الانتقالية أكثر لتثبيت دعائم نظام شمولي أبدي تحلم به. الواقع أن أحداً لم يخذل سوريا، بل السلطة الانتقالية فشلت في العمل على إدارة المرحلة الانتقالية تمهيداً لانتقال سياسي حقيقي قامت من أجله الثورة.

هيئة تحرير الشام بقيادة الشرع التي صمدت 14 عاماً في مرحلة الحرب، فشلت في مرحلة السلطة. فهل تنتقل إلى مرحلة جديدة بعد انتهاء أجلها في السلطة، أم أن مرحلة السلطة قد أحرقت جميع أوراق السلفية الجهادية؟ أما بالنسبة للشرع نفسه فقد مرت حياته بمراحل كثيرة، متطوعاً في منظمة الزرقاوي في العراق، ثم السجن، ثم مبايعة أبو بكر البغدادي وإقناعه بالعمل في سوريا بعد الثورة، فتأسيس جبهة النصرة، ثم إعلان البيعة للظواهري، ثم إعلان الانفصال عن القاعدة، فالتعاون مع البريطانيين على تحويل «الجبهة» إلى منظمة «معتدلة»، وصولاً إلى دخول دمشق. مرحلة السلطة هي الأصعب والأخطر في مساره، سنرى مآلاتها في الأشهر المقبلة.

مقالات ذات صلة