لماذا نخجل من التقاعد ؟ حين تنتهي الوظيفة لا تنتهي الحياة…

الإعلامي زهير عبد القادر

هناك مرحلة في حياة الإنسان لا مفر منها مهما أحب عمله وتمسك بمكتبه وزملائه ومكانته المهنية… إنها مرحلة التقاعد.
ولكن الغريب أن كثيرًا من الناس يستقبلونها بالخوف والقلق بل إن بعضهم يشعر بالخجل من كلمة «متقاعد» وكأن التقاعد يعني أن الإنسان لم يعد مهمًا وأن سنوات عطائه انتهت بمجرد أن غادر مكان عمله.
فلماذا ننظر إلى التقاعد وكأنه نهاية وليس كمرحلة جديدة من مراحل الحياة؟
لقد اعتدنا أن نقيس قيمة الإنسان بعمله ومنصبه والمؤسسة التي يعمل فيها. ولذلك قد تكون لحظة التقاعد صعبة إذ يجد الإنسان نفسه فجأة أمام ساعات طويلة لم يعتد عليها ويسأل نفسه: من أنا الآن؟
وهذا السؤال قد يكون مؤلمًا لمن أمضى عقودًا في مهنته وبنى خلالها اسمه وعلاقاته وخبرته.
لكن الحقيقة أن الإنسان عندما يتقاعد من وظيفته لا يتقاعد من الحياة ولا تتقاعد خبرته وأفكاره وقدرته على العطاء.
وأنا أؤمن أن سنوات العمل الطويلة لا ينبغي أن تنتهي عند باب المؤسسة. فقد يغادر الصحفي مكتبه لكنه يستطيع أن يواصل الكتابة ويمكن للمعلم أن يواصل التعليم وللمهندس والطبيب وغيرهما أن ينقلوا خبراتهم إلى الأجيال الجديدة.
فالخبرة لا تصل إلى سن التقاعد.
المشكلة إذن ليست في التقاعد نفسه وإنما في الطريقة التي ننظر بها إليه.
فالتقاعد يمكن أن يكون فرصة للقراءة والكتابة والسفر وممارسة الهوايات وقضاء وقت أكبر مع الأسرة والأصدقاء أو القيام بأعمال تطوعية وإنسانية أو تحقيق أحلام ظل الإنسان يؤجلها بسبب انشغاله بالعمل.
لكن التقاعد الناجح يحتاج إلى استعداد. فلا ينبغي أن تكون الوظيفة هي العالم الوحيد في حياة الإنسان بل عليه أن يبني لنفسه اهتمامات وعلاقات وأهدافًا تتجاوز المكتب والراتب والمنصب.
كما أن المجتمع نفسه مطالب بتغيير نظرته إلى المتقاعدين. فالمتقاعد ليس رقمًا خرج من جدول الموظفين وإنما إنسان يحمل في ذاكرته عقودًا من الخبرة والتجربة ومن المؤسف أن تضيع هذه الثروة لمجرد انتهاء الوظيفة.
صحيح أن التقاعد قد يحمل معه بعض الوحدة أو الفراغ أو القلق لكن هذه المشاعر لا تعني أن الحياة انتهت بل إنها دعوة للبحث عن معنى جديد ودور جديد.
وربما علينا أن نغير السؤال الذي نطرحه على المتقاعد.
بدل أن نسأله: ماذا بقي لك أن تفعل؟
نسأله: «ماذا تريد أن تفعل الآن؟»
هناك فرق كبير بين السؤالين.
الأول يغلق المستقبل والثاني يفتحه.
فالتقاعد يعني أن الإنسان تقاعد من وظيفة وليس من الحياة.
تقاعد من المكتب وليس من التفكير.
تقاعد من ساعات الدوام وليس من الأحلام.
وقد تكون هذه المرحلة إذا أحسن الإنسان التعامل معها واحدة من أكثر مراحل حياته حرية وثراءً وصدقًا.
فالوظيفة قد تنتهي… لكن الإنسان لا ينتهي معها.
زهير عبدالقادر
الخبير والمدرب الدولي في الإعلام/ برلين

@Highlight

مقالات ذات صلة