صورتان في الأمم المتحدة

نضال منصور

حرير- صورتان لن تغيبا عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وستبقيان راسختَين: الأولى خطاب العاهل الأردني عبدالله الثاني الذي دق ناقوس الخطر، وحذّر من إدارة المجتمع الدولي ظهره للتهديدات والكوارث الإنسانية، وكانت كلمة السر في خطابه عن “اقتصاد المشاهدة” أو ما سمّاه الانتباه. والصورة الأخرى لنحو 80 من وفود الدول تنسحب من قاعة الأمم المتحدة حين بدأ رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو إلقاء خطابه، في رسالة احتجاج لا تتكرّر. انسحبت هذه الدول لتعلي صوتها رفضاً لجريمة الإبادة الإسرائيلية في غزّة، ولخرقها المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وعديم الأخلاق نتنياهو يصف المنسحبين بالجبناء أخلاقيّاً، فيما وزير خارجيته جدعون ساعر يشير إلى تنامي عزلة تل أبيب وانكشافها دبلوماسيّاً، فمن يقف إلى جانبها اليوم أقلية موصومة بالعار.

ما بين الصورتَين تفاصيل تستحق التوقف والبحث، فالملك عبدالله يأخذ العالم إلى الحقيقة عارية من التجميل، 47 ثانية هو الوقت الذي نستغرقه في المشاهدة والانتباه، ثم ننتقل، ونطوي الصفحة إلى مشهد آخر، ونبدأ بالتعايش مع الأزمات، ولا تعد مصدر قلق يتطلب حشد الجهود والموارد للتصدي لها، أو حلها.

غزّة على سبيل المثال، الكارثة الإنسانية الأعظم في العقود الماضية، لم تعد سوى صورة وخبر نمرّ عليه، ولا يحتل سوى ثوانٍ معدودة، وهذا هو الخطير في صناعة اتجاهات الرأي العام.

المشكلة عند الملك ليست أن العالم لا يعرف، ولا في غياب المعلومات، أو نقص التقارير، لكن الأزمة برأيه اللافت، هل يبقى العالم منتبهاً بما يكفي ليتصرف، ويتخذ إجراءات وتدابير للمواجهة، أم ينصرف إلى قضية أخرى، وتبقى المأساة معلقة؟ يؤطر فكرة الانتباه أكثر حين يقول: “الانتباه ليس مجرد مورد معرفي، بل هو مورد جيوسياسي، والمفصل في ذلك أن الانتباه يحدّد أي الصراعات تحصل على دبلوماسية مستدامة، وأيها تتراجع عن الأجندة”، فالعاهل الأردني لم يتحدّث عن قضية فلسطين، ولم يكرر الحديث عن معاناة أهلها، وإنما عن آلية صناعة الأجندة في العصر الرقمي.

في التطبيق والواقع لفلسفة الانتباه، أن غزّة لم تعد خبراً جديداً، رغم كل الوعود، والاتفاقيات، والقتل والتهجير الإسرائيلي للفلسطينيين، أصبحت أخباراً مكررة لا تحظى بالاهتمام، ولبّ المشكلة، في وجهة نظر الملك، أن يتحول ما كان غير مقبول إلى شيء مألوف، وأن يصبح المؤقت دائماً، والدائم سياسة.

أدرك الأردن في السنوات الماضية التحولات السياسية في المشهد، وعرف أن إسرائيل التي تلاعبت وزورت الحقائق بعد “7 أكتوبر” فقدت كثيراً من أوراق قوتها، ومع هذا ما زالت تفرض منطق القوة من دون أي محاسبة، أو مساءلة، وهنا تتقاطع عمّان مع باريس، حين يؤكد الرئيس الفرنسي ماكرون أهمية المساءلة، والفجوة في النظام الدولي بين الكلام والفعل، واصفاً المشهد في غزّة بأنه مخجل، فما جدوى الاعترافات والوعود إذا لم تتحوّل إلى واقع؟

الخلاف بين عمّان وتل أبيب يتوسّع، فالأردن في خطاب الملك يمد خيط التهديدات من غزّة إلى الضفة الغربية، إلى الاستيطان والتهجير، والمياه، إلى جنوب سورية، معتبراً ذلك كله خطوطاً حمراء، وتهديدات للأمن الوطني، وبذلك تتحوّل معادلة العلاقات من إدارة الخلافات إلى إدارة المخاطر.

الصفعة التي تلقاها نتنياهو لم تتوقف عند مقاطعة العالم له، وإنما إلى مقاطعة الرئيس الأميركي ترامب له، وعدم اللقاء به، ومغادرة نيويورك قبل وصوله، في إشارة إلى أزمة صامتة، وأن أجندتهما لم تعد تتقاطع، وأن زعيم البيت الأبيض لا يريد أن يربط اسمه بنتنياهو الذي يخوض انتخابات قد يخسرها، وتنهي مستقبله السياسي، وتعطي لخصومه فرصة لمحاسبته، والسفير الأميركي السابق لدى واشنطن مايكل آرون يؤيد أن غياب صورة ترامب وهو يصافح نتنياهو في نيويورك تعد ضربة قبيل انتخابات الكنيست الإسرائيلي.

منطق استخدام القوة بين ترامب ونتنياهو مختلف، فالرئيس الأميركي يستخدمها طريقاً يقود إلى صفقة، ونتنياهو يرى القوة المسار الاستراتيجي الآمن، وفي الحرب على إيران تتجلى تناقضات الرؤى، وتتعمق الخلافات.

عودةً إلى الصورتين، غادر نتنياهو منصة الأمم المتحدة منبوذاً، تلاحقه اللعنات، ومطالباً بأن يُجلب إلى قبضة العدالة، وعاد الملك إلى عمّان، لكنه ترك سؤالاً أخلاقيّاً سيستمر أثره، لم يقل الملك للمجتمع الدولي: انظروا إلى غزّة، قال: أنتم تعرفون ما يحدث، هل ستبقون منتبهين بما يكفي لتفعلوا شيئاً؟

مقالات ذات صلة