أوروبا بين تهديدات بوتين وضغوط ترامب

جمال الشوفي

حرير- عادت تصريحات القادة الروس لتثير الرعب العالمي في أوروبا، فما قاله الرئيس الروسي بوتين وأكده وزير خارجيته لافروف بخصوص أوروبا يمثل إنذاراً بخطر عالمي وشيك في قلب أوروبا. فالقول إنه إذا ما بدأت الحرب مع أوروبا فستكون قصيرة ولن تستمر طويلاً، قول يحمل بوضوح لا يحتمل الشك حجم التهديد الروسي لأوروبا وتحذيرها الشديد من أن الحرب هذه المرة لن تكون حرباً برية طويلة الأمد كما الحرب العالمية الثانية، ولن تكون حرباً كلاسيكية تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية، بقدر ما ستكون حرباً من نوع خاص يبدو الحسم فيها سريعاً! فهل يقع المحظور ويحدث ما حاولته أوروبا طوال عقود مضت في استيعاب روسيا في معادلتها الأوروبية، ومن العمل على تفادي وقوع مواجهة عسكرية معها بعد غزوها أوكرانيا وفرضها قيود الطاقة والغاز عليها؟ وما المستجد اليوم لهذا التهديد الصريح، بعد هدوء طويل ووعود بحلول سياسية وإنهاء الحرب؟

منذ العام 2022 وأوروبا والعالم يحبسان أنفاسهما أمام غطرسة النزعة البوتينية في إعادة معادلات القوة العسكرية الجيوبوليتيكية على السياسات الدولية، فبوتين العائد بروسيا إلى ساحة الدول الكبرى، ومحاولاً فرض وجودها قطباً عالميّاً ثانياً في مواجهة العولمة بقمتها الأميركية، وأوروبا تعيش على وقع ضجيج حربٍ ممكنة في أي لحظة. ورغم محاولات الأوروبيين، خصوصاً الألمان والفرنسيين، التوصل إلى حلول سلمية تنهي حالة الحرب الأوكرانية بتسوية سياسية توقف منابع الاستنزاف الروسي لأوروبا، لكنها لم تتوقف عن الاستعداد لحرب محتملة في الوقت نفسه، أمام التعنت الروسي. وها هي اليوم، وفي غالبية عواصم الدول الأوروبية، تحذر سكانها وتدعو لضرورة تخزين المواد الغذائية، وتأمين الملاجئ العامة، وكأن قراءاتها السياسية تشير إلى إمكانية التدهور إلى حرب مفتوحة كبرى. فما هو الجديد الطارئ بعد كل التعهدات والمساومات السابقة التي كانت تبحث في إمكانية إيجاد حل للحرب الأوكرانية والجلوس لطاولة مفاوضات تفضي للسلام والاستقرار، حتى وإن كانت إحدى حلولها إرضاء سيادة روسيا على شرق أوكرانيا الذي تعتبره موسكو جزءاً منها تاريخياً؟

لا يمكن قراءة الحدث الأوروبي المستجد والتجهيز المعلن لحرب مفتوحة في معزل عن أحداث العالم الجارية في الشرق الأوسط. والمعادلة العالمية الأوضح أن الحرب بوابة لفرض شروط الهيمنة والتحكّم بالاقتصاد وشرايينه العالمية، فقد أظهرت الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية مدى انعكاس آثارها على العالم برمته، من حيث البترول والغاز، ومؤشرات ارتفاع سعر برميل النفط العالمي إلى مستويات قياسية، وانعكاسه على الاقتصاد العالمي. إضافة إلى ذلك، يبدو أن أوروبا، التي رفضت تلك الحرب ولم تشارك فيها، ينتابها القلق الشديد من إمكانية التوصل إلى حسم الملف الإيراني بالتوافق بين روسيا وواشنطن على تقاسم مواقع النفوذ العالمي على خطوط الطاقة، بحيث تترك أميركا لروسيا كامل أوكرانيا مقابل تخلي الأخيرة عن مساندة إيران الخلفية لها. وبالضرورة تصبح كل من روسيا وأميركا متحكمتان بخطوط وشرايين الطاقة العالمية. وهذا الاحتمال هو المحفز أمام الأوروبيين لاختيار دعم أوكرانيا بأسلحة نوعية تعطل مشروع الهيمنة الروسية الكاملة على أوكرانيا، أو فرض معادلتها العسكرية المنفردة إذا ما أخلت لها أميركا الساحة. الأمر الذي قاد بوتين ولافروف إلى تحذير أوروبا بحرب ذات نوعية مختلفة قصيرة وسريعة، لن تتمكن أوروبا من الصمود أمام روسيا فيها، خصوصاً إذا ما تركتها أميركا لقمة سائغة أمامها. ومعنى التحذير الروسي إمكانية استخدامها الأسلحة غير التقليدية المدمّرة والمتفوّقة بها روسيا كمياً ونوعياً ما دام الرادع الأميركي غائباً وأصرت أوروبا على كسر معادلة أوكرانيا ضدها.

الاحتمال المطروح هذا يضع أميركا والناتو أمام سؤال جديد عنوانه وضع أوروبا أمام خيارين: التخلي عنها أمام روسيا أو دفعها إلى المشاركة العسكرية في الملفات التي تقودها أميركا في الشرق الأوسط! وفي المقابل، هل يمكن التخلي بسهولة عن أوروبا؟ لا أعتقد، فالارتباط العضوي عبر حلف الناتو والمعادلة العالمية التي يقودها ترامب اليوم واضحة سياسياً، ومفادها إحكام السيطرة العالمية على الشرق الأوسط، والتحكّم بخطوط التجارة والطاقة العالمية وقطعها أمام الصين. وعلى أوروبا الالتزام بهذه السياسة، وإلا ستواجه روسيا منفردة، فهل ستقف المسألة عند هذا الحد؟ من هنا جاءت تصريحات ترامب المواربة إنها لا تتوقع أن تضرب روسيا مواقع تخضع لحماية “الناتو”، دلالة على المحاولات الأميركية للإمساك بجميع خطوط الضغط العالمية على كل الأطراف، بشكل مباشر بالحرب، أو بالتفاوض والاستجرار أو بإعلان التخلي التكتيكي، الأمر الذي يمثل تهديداً لكل أوروبا بالإيفاء بالتزاماتها التي تطلبها منها أميركا لصالح الناتو ومشاركتها في كل معادلاتها العالمية.

في الأمس القريب ومع بدايات الحرب الروسية على أوكرانيا، لم يتأخر هنري كيسنجر عن التحذير الشديد بضرورة الاستعجال بالتسوية الروسية الأوكرانية والإقرار بالوضع القائم لتفادي مواجهة عالمية قيد النشوب. تلك التي مثلت قراءة عميقة لما تحاول روسيا فرضه عالمياً بقوة الجيوبوليتيك المستحدث، والتي أثار مخاوفها ألكسندر دوغين، الأب الروحي لبوتين ومنظر سياساتها الجيوبوليتيكية، بجزمه أن روسيا لن تنهزم في حرب أوكرانيا حتى وإن تم استخدام الأسلحة النووية. فمعادلة أوراسيا التي تعني هيمنة روسيا على القرار الأوروبي مقابل العولمة واستفراد أميركا بقمتها هي عنوان المرحلة الروسية خلال العقد المنصرم! وسواء كانت تحذيرات كيسنجر بضرورة وقف الحرب والإقرار بخسارة جزئية أو تهديدات دوغين، فهي تصريحات لم تكن عبثية، بل تخرج من أشهر قارئي السياسات العالمية ومحلليها ومن خلفهم مراكز دراساتهم الاستراتيجية، كمركز كاتخيون الروسي، أو مركز الدراسات الاستراتيجية ومركز راند الأميركيين. واليوم تعود الذاكرة للتصريحات المثيرة للرعب ذاتها وتضع السلم العالمي برمته قيد التهديد المباشر سواء في قلب أوروبا أو قلب آسيا، وخصوصاً أن الروسبوتينية مصرّة على تنفيذ وتطبيق نظرياتها الجيوبوليتيكة بالقوة العسكرية للعودة إلى القطبية العالمية كسابق عهدها أيام السوفييت، مع إصرار أميركي ترامبي على استعادة التموضع في قلب الشرق الأوسط، والإمساك بكامل خطوط الطاقة والتجارة العالمية بالجهة المقابلة.

يشتدّ عصب العالم اليوم على إيقاع متغيرات دولية حادّة، عنوانها الحرب بديلاً من السياسة، وفرض شروط القوة بديلاً من المعاهدات الدولية، الأمر الذي يثير الرعب العالمي ثانية، وخصوصاً أنه يعيد إلى الذاكرة العالمية وجود أمثال هتلر وموسوليني وستالين قبيل الحرب العالمية الثانية بحضور أمثال بوتين وترامب ونتنياهو اليوم. تلك التي عبر عنها فرانكو موريتي في “ديالكتيك الخوف” بأنها إنذار بنهاية ثقافة السلام أمام ثقافة الرعب الناتج عن الانقسام العالمي، ومحذّراً منه باستعارة شخصيتي مصّاصي الدماء، دراكولا وفرنكشتاين، اللذين لا يظهران معاً إلا في حالات استثنائية ونادرة، حين يبلغ التهديد والرعب حدّاً رهيباً، في مقاربة ما آلت إليه أحداث نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وأشكال التحالفات السياسية ونمو النزعات القومية المتعصبة، فكانت رائحة الحرب والموت تفوح منها قبل حدوثها في موقعتي الحربين العالميتين! واليوم أخشى أن مشهد التاريخ قد يعيد تكرار نفسه، وظهور عديدين من مصّاصي الدماء دفعة واحدة إنذار للبشرية جمعاء، وليس لأوروبا فقط.

مقالات ذات صلة