نجاة) بعد حصولها على جائزة شخصية العام الثقافية.. حين يصبح الغناء حارساً للغة العربية

نجاة واحدة من أهم الجسور التي عبرت من خلالها اللغة العربية الفصحى من صفحات الدواوين إلى آذان الجمهور وقلوب الملايين

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي

حرير – ليست كل الجوائز مجرد لحظة تصفيق عابرة، فهناك جوائز تأتي لتعيد قراءة تاريخ كامل، وتلفت الأنظار إلى قيمة فنية وثقافية ربما اعتاد الناس حضورها حتى نسوا حجم تأثيرها، وهذا بالضبط ما حدث مع المطربة الكبيرة (نجاة) التي توجت بجائزة (شخصية العام الثقافية) ضمن جائزة (الشيخ زايد للكتاب)، خلال فعاليات معرض (أبوظبي الدولي للكتاب).

جائزة (نجاة) هى جائزة للفن الهادف، والرقي، والأصالة، وذات دلالة خاصة، فهي تمنح الفن مكانته داخل المشهد الثقافي، وتؤكد أن حماية اللغة العربية ليست مهمة المؤسسات التعليمية والثقافية وحدها، وإنما يمكن للفنان أن يشارك فيها أيضاً، حين يختار الكلمة بعناية ويقدم الشعر إلى الجمهور في صورة محببة ومؤثرة.

ففي زمن أصبحت فيه الأغنية العربية، في كثير من نماذجها، أسيرة الجملة السهلة والكلمة العابرة، تأتي القثيارة (نجاة) من بعيد، لا لتستعيد مجداً شخصياً فحسب، وإنما لتضع أمامنا سؤالاً ثقافياً مؤلماً: ماذا فعلنا باللغة العربية بعدما كانت القصيدة ذات يوم قادرة على صناعة نجمة؟

من هنا تكتسب الجائزة الكبرى التي حصلت عليها (نجاة) في معرض (أبوظبي الدولي للكتاب)، وهى جائزة (شخصية العام الثقافية) قيمة تتجاوز حدود التكريم الفني، فهي في جوهرها، احتفاء بمطربة أدركت مبكراً أن الصوت الجميل وحده لا يصنع فناً خالداً، وأن الأغنية التي تعيش طويلاً تحتاج إلى كلمة تستحق الحياة.

أ
ا

المشكلة لم تكن في اللغة

(نجاة) لم تكن مجرد مطربة تغني قصائد الشعراء، وإنما كانت واحدة من أهم الجسور التي عبرت من خلالها اللغة العربية الفصحى من صفحات الدواوين إلى آذان الجمهور وقلوب الملايين.

وهنا تكمن المفارقة!.. ففي الوقت الذي كان فيه البعض يرى أن القصيدة الفصحى ثقيلة على المستمع، أثبتت (نجاة) أن المشكلة لم تكن في اللغة، وإنما في القدرة على تقديمها.

وحين التقت كلمات كبارالشعراء مثل (كامل الشناوي، نزار قباني، حسين السيد، جورج جرداق، سعاد الصباح) وغيرهم، بألحان كبار الموسيقيين (محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، وسيد مكاوي، ومحمد الموجي)، وصوت (نجاة) وإحساسها، تحولت القصيدة إلى أغنية، وتحولت الأغنية إلى ذاكرة.

لقد غنت (نجاة) لشعراء كبار، وكانت تختار الكلمة كما يختار الصائغ جوهرته، فلا ابتذال ولا استسهال ولا بحث محموم عن جملة سريعة تلتقطها الأذن ثم تنساها بعد أيام، كانت تؤمن بأن المستمع العربي يستحق كلمة جميلة.

وهذه ربما هى الرسالة الأكثر إزعاجاً التي تحملها جائزة (نجاة) إلى واقعنا الغنائي الحالي، فإذا كانت (نجاة) قد استطاعت أن تجعل الجمهور يتذوق القصيدة ويحفظ أبياتها، فلماذا أصبحنا اليوم نتعامل مع الفصحى وكأنها عبء على الأغنية؟.. ولماذا تراجعت مساحة الشعر الحقيقي لحساب كلمات مصممة للاستهلاك السريع؟

منظومة غنائية كاملة

السؤال هنا ليس موجهاً إلى مطرب أو مطربة بعينهما، وإنما إلى منظومة غنائية كاملة باتت في بعض نماذجها، تمنح الأولوية لما يحقق الانتشار السريع على جناح الصور المبهرة، أكثر مما تمنحها لما يترك أثراً ثقافياً وفنياً.

وهنا بالضبط تبدو (نجاة العظيمة) مختلفة، لقد كانت تغني لتبقى، لا لتتصدر المشهد فقط، ولذلك لم تكن قصائدها مجرد أعمال غنائية في زمنها، بل تحولت بعض نصوصها إلى جزء من الذاكرة العربية، يتداولها الناس حتى بعد مرور عقود على ظهورها الأول.

والأهم أن (نجاة) لم تتعامل مع اللغة باعتبارها زينة لفظية، وإنما جعلتها جزءاً أصيلاً من التعبير العاطفي، فالفصحى في صوتها لم تكن متخشبة ولا مدرسية، بل بدت قريبة، حميمية، نابضة، قادرة على التعبير عن الحب والحنين والوجع والانتظار.

ومن هنا فإن تكريمها في مناسبة ثقافية مرتبطة بالكتاب يحمل دلالة شديدة الأهمية، الأغنية يمكن أن تكون فعلاً ثقافياً، والمطرب يمكن أن يكون حارساً للغة التي يشدو بها.

لكن الجائزة لا تحتفي بالماضي وحده، بل تضع الحاضر أمام مرآته، مرآة تقول لنا إن الفن العربي لم يكن فقيراً يوماً في الشعر أو الموسيقى أو الأصوات، وإنما كان غنياً بالإرادة الفنية التي تعرف قيمة الكلمة.

نجاة الصغيرة تنتمي إلى ذلك الزمن الذي كان فيه المطرب يبحث عن الشاعر الكبير، والملحن الكبير، والنص الذي يليق بصوته، لا عن الأغنية التي تحقق أكبر عدد من المشاهدات في أقصر وقت!

جائزتها ليست تصفيقاً لنجاة فقط

ومن الإنصاف هنا ألا نحول الماضي إلى جنة مثالية ولا الحاضر إلى زمن رديء بالكامل، فالأغنية العربية لا تزال تعرف تجارب جادة ومبدعين حقيقيين، لكن الفارق أن مساحة القصيدة واللغة الرفيعة لم تعد تتمتع بالمكانة الجماهيرية التي كانت تحظى بها في زمن (نجاة) ورفاق جيلها.

ولهذا تبدو جائزتها وكأنها ليست تصفيقاً لنجاة فقط، وإنما تصفيق لكل شاعر وملحن ومطرب آمن بأن الفن مسؤولية، وأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل جزء من هوية الإنسان وذاكرته ووجدانه.

نجاة ، إذن، لم تحصل على الجائزة لأنها صاحبة صوت جميل وحسب، فهذا أمر حُسم منذ زمن بعيد، بل لأنها انتصرت للغة العربية المليئة بالمشاعر والأحاسيس الصادقة والمعبرة عن خجات القلب.

لقد حصلت عليها لأن تجربتها تقول شيئاً أكبر، إن الأغنية تستطيع أن تحمي لغة، وأن تحفظ قصيدة، وأن تجعل الشعر جزءاً من الحياة اليومية للناس، وربما لهذا يأتي تكريم نجاة اليوم في معرض (أبوظبي للكتاب) في توقيته الصحيح، ففي عصر السرعة والاستهلاك، نحتاج إلى أن نتذكر أن هناك أغنيات لم تكن تبحث عن (الترند)، وإنما كانت تبحث عن الخلود.

وهذا هو الفارق بين أغنية تُسمع اليوم وتُنسى غداً، وأغنية تستطيع أن تعبر نصف قرن أو أكثر، ثم تعود لتقول لنا بثقة (كانت الكلمة أولاً.. وكان الفن يعرف قيمة الكلمة).

ولهذا لم يكن غريباً أن تعبر (نجاة) عن سعادتها، في كلمتها المسجلة بمناسبة التكريم، بالجائزة، مشيرة إلى أن مسيرتها تضمنت أغنيات وقصائد أسهمت في نشر اللغة العربية وثقافتها.ا

لقاء جميل بين الكتاب والأغنية

وهكذا، يصبح تكريم (نجاة) احتفاءً بمرحلة كاملة من تاريخ الأغنية العربية، وبزمن كانت فيه القصيدة تستطيع أن تصنع أغنية، والأغنية تستطيع أن تحفظ قصيدة، والمطربة تستطيع أن تجعل اللغة العربية أقرب إلى القلب.

نجاة لم تحرس اللغة العربية بالكلمات المباشرة، وإنما حاربت من أجلها بالطريقة التي تعرفها جيداً، بالغناء، ولهذا فإن تكريمها في جائزة تحمل اسم الشيخ زايد للكتاب يبدو وكأنه لقاء جميل بين الكتاب والأغنية، وبين القصيدة والصوت، وبين الثقافة والفن.

وتلك، في النهاية، ليست حكاية (نجاة) وحدها، وإنما سؤالنا نحن، هل تستطيع الأغنية العربية أن تستعيد شيئاً من زمن كانت فيه تحمي اللغة، بدلاً من أن تكتفي باستهلاكها؟!

مقالات ذات صلة