
( فرح ) بنتُ مَن قانونياً ؟
بقلم المحامي أسامة البيطار
حرير – ظهرت( فرح ) فجأة على الأردنيين، وقدّمت نفسها بوصفها الناطق الرقمي باسم الحكومة. وكعادة الأردنيين مع كل وجه جديد، انقسم الناس سريعاً فريق رحّب بها، وفريق انتقدها، وفريق ثالث أراد أن يعرف من أي محافظة هي!
أما رجل القانون، فله فضول من نوع مختلف: من يملك ( فرح ) ومن ألّف شخصيتها؟ ولمن يعود وجهها وصوتها واسمها؟ وهل هي موظفة حكومية، أم مصنف محمي، أم علامة تجارية، أم برنامج يعمل بموجب عقد خدمات؟
لو كانت ( فرح ) موظفة عادية، لسألنا عن قرار تعيينها ووصفها الوظيفي وراتبها وضمانها الاجتماعي. لكنها موظفة لا تتأخر عن الدوام، ولا تطلب إجازة، ولا تحتج على التقييم السنوي، وربما تكون الوحيدة القادرة على تكرار البيان الحكومي عشرين مرة من دون أن تفقد أعصابها!
لكن هذه الخفة لا تلغي الأسئلة …. ( فرح ) ليست شخصاً بالمعنى القانوني، فلا ذمة مالية لها، ولا أهلية، ولا حقوق شخصية مستقلة. لكنها تتكون من مجموعة عناصر قد يتمتع كل منها بحماية قانونية: الاسم، والتصميم، والوجه، والصوت، والحركة، والنصوص، والمقاطع المرئية، والهوية البصرية، والبرنامج التقني الذي يقف خلفها.
وهنا يظهر أول سؤال: هل تملك الحكومة هذه العناصر جميعها؟
الإجابة لا تتوقف على الجهة التي أعلنت الشخصية أو دفعت تكاليف تطويرها، وإنما على العقود التي أُبرمت مع المصممين والمبرمجين والشركات المنفذة. فقد تملك الحكومة الشخصية بالكامل، وقد لا تملك سوى ترخيص باستخدامها، بينما تبقى بعض الحقوق لدى المصمم أو المطور أو الجهة التي وفّرت التقنية والصوت والصورة.
والفرق بين الحالتين ليس تفصيلاً قانونياً صغيراً. فالجهة التي تملك حق الاستخدام فقط قد تجد نفسها، بعد سنوات، بحاجة إلى موافقة المطور لتغيير شكل الشخصية، أو نقلها إلى منصة أخرى، أو تطوير صوتها، أو استخدامها بلغة جديدة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم كلفت ( فرح ) ؟!
بل: ماذا اشترت الحكومة بالضبط؟
هل اشترت المنتج النهائي فقط، أم اشترت حقوقه المالية كاملة؟ وهل يشمل العقد حق التعديل والتطوير وإعادة الإنتاج والترخيص للغير؟ ومن يملك النسخ المستقبلية من الشخصية؟ وماذا يحدث إذا انتهى العقد مع الشركة المطورة؟
أما اسم ( فرح) فهو اسم مألوف وجميل، لكنه لا يُحتكر لمجرد اختياره. الحماية الأقوى تتحقق عندما يرتبط الاسم بهوية بصرية مميزة، ويُسجّل بالطريقة المناسبة، بحيث لا يستطيع أحد إطلاق شخصية مشابهة توهم الناس بأنها الناطق الرسمي أو أنها مرتبطة بالحكومة.
وقد نستيقظ غداً على ( فرح) أخرى، تشبه الأصلية في وجهها وصوتها، وتعلن قراراً لم يصدر، أو تفسر قانوناً لم يُقر، أو تخبر المواطنين بعطلة رسمية فيذهب نصفهم إلى الدوام ويبقى النصف الآخر في البيت!
عندها لن تكون المسألة نكتة رقمية، بل قد نكون أمام انتحال وتضليل واعتداء على حقوق المؤلف أو العلامة، وربما أفعال معاقب عليها بموجب قانون الجرائم الإلكترونية، بحسب صورة الاستخدام والنتيجة التي ترتبت عليه.
والأخطر أن تقنيات توليد الصورة والصوت أصبحت قادرة على إنتاج مقطع مقنع خلال دقائق. لذلك لا يكفي أن نحمي اسم ( فرح) وشكلها، بل يلزم إنشاء وسيلة واضحة تمكّن الجمهور من التحقق من أن المقطع صادر فعلاً عن القنوات الحكومية الرسمية.
ثم نصل إلى السؤال الذي سيحبه القانونيون ولا تحبه الخوارزميات …من يتحمل المسؤولية إذا أخطأت الست فرح ؟
إذا أعلنت معلومة غير دقيقة، فهل تُنسب المسؤولية إلى الجهة الحكومية التي اعتمدت المحتوى، أم إلى الموظف الذي زوّد النظام بالمعلومة، أم إلى الشركة المطورة، أم إلى النظام نفسه؟
من المؤكد أننا لن نستدعي فرح إلى المحكمة، ولن نطلب منها أداء اليمين، ولن نحجز على راتبها؛ لأنها ليست شخصاً قانونياً ولا تملك إرادة مستقلة بالمعنى الذي تقوم عليه المسؤولية. ولهذا يجب أن تبقى هناك دائماً جهة بشرية معلومة تعتمد ما يصدر عنها وتتحمل مسؤوليته.
كما ينبغي أن يبقى دورها في حدود نقل المعلومات وشرحها، وألا تتحول إجاباتها تلقائياً إلى قرارات إدارية أو تفسيرات قانونية ملزمة. فالمواطن يجب أن يعرف متى يتلقى معلومة عامة، ومتى يتعامل مع موقف رسمي يمكن أن يرتب له حقاً أو التزاماً.
إطلاق ( فرح) خطوة تستحق الاهتمام، لا لأنها أضافت وجهاً جديداً إلى شاشة الهاتف فحسب، بل لأنها أدخلت إلى الإدارة العامة أسئلة لم تعد تشريعاتنا تستطيع تأجيلها: ملكية الشخصيات الرقمية، وحدود استخدامها، وحماية صوتها وصورتها، ومسؤولية ما يصدر عنها، وحق المواطن في معرفة أنه يتعامل مع آلة لا مع إنسان.
مرحباً بكِ يا ( فرح ) في الوظيفة العامة. لا نعرف إن كنت ستخضعين لنظام إدارة الموارد البشرية، ولا إن كان سيحق لك يوماً تشكيل نقابة للموظفين الرقميين، لكننا نعرف شيئاً واحداً …قبل أن تصبح الشخصيات الرقمية جزءاً من الدولة، يجب أن نحدد من يملكها، ومن يديرها، ومن يراقبها، ومن يتحمل مسؤولية ما تقوله.
ففي زمن الذكاء الاصطناعي، قد يكون الناطق باسم الحكومة افتراضياً، لكن الملكية والمسؤولية والثقة لا يجوز أن تكون افتراضية



