الانتخابات الفلسطينية لن تحدُث: إشغال وتضييع للوقت!

خالد الحروب

حرير- لا حاجة للقول إنّ الانتخابات، التشريعية والرئاسية، استحقاق وطني وحق للشعب الفلسطيني، تأخّر عقوداً. لا تُجادل هذه السطور فيما هو بدهي، لكنها تدّعي أن التوقيت خاطئ، وأن الأولويات الوطنية الضاغطة هي مواجهة الإبادة في غزّة والتغول الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، وأن تفاصيل “الهندسة” الانتخابية التي يقوم بها الرئيس الفلسطيني لا تقود إلى أي إصلاحٍ حقيقي. يتمحور هدف هذه الانتخابات حول شرعنة الوضع القائم، وهذا أمرٌ لا يلبّي أيّ أولويةٍ وطنيةٍ ملحّة حالياً. إضافة إلى هذا وذاك، يبدو أن هذه الانتخابات لن تجري سواء لأسباب تتعلق بالسلطة نفسها، أو لأخرى متعلقة بإسرائيل وتقديراتها وغطرستها.

سلطوياً، نُقل كثير من الكلام والتصريحات والثرثرة عن مسؤولين فلسطينيين أنّ الهدف تعزيز شرعية السلطة عبر الانتخابات، وإن لم يجرِ ضمان هذا فلا حاجة لها. هناك تآكلٌ لا يحتاج لإثبات في شرعية السلطة كمنظومة حكم وفي شرعية الرئيس الفلسطيني و”منظومة الرئاسة” التي تضخّمت وابتلعت حتى السلطة، وكلاهما يعاني هشاشة في التمثيل والمرجعية الوطنية والانتخابية. مصدر شرعية المنظومتَين الأساسي تطوّر في العقدَين الماضيَين أو أكثر ليتموضع وينحصر في الدور الوظيفي المُتسق مع ما هو مطلوب إسرائيلياً، ودولياً، أو بوضوح أكثر أميركياً. بقاء السلطة أو ذهابها مرهون بهذا الدور.

… تتضافر مسوّغات الحفاظ على بقاء السلطة على أسباب إنهائها إسرائيلياً، وهنا يأتي الظرف الأول الذي بسببه لن تجري الانتخابات، وهو الموقف الإسرائيلي. برغم أن مسوّغات الإبقاء لا تزال أكثر من مسوّغات الإنهاء، تبعاً للمنظور الإسرائيلي السائد حالياً، يظل من المطلوب والضروري أن تبقى هذه السلطة وتعيش على “حافّة الانهيار”، وتظل رهينة الشرعية الخارجية. تبقى مرهونة مالياً، شهراً بشهر، بميزانية “المقاصّة” التي تتحكّم فيها إسرائيل. ومع “الخنق المالي” كصيرورة ونمط إدارة، وأهم منه، تحرص إسرائيل على تدمير أي شرعية وطنية أو تمثيلية لهذه السلطة حتى تبقى متوجّسة وخائفة ومُعتمدة على شرعية الدور الوظيفي الخارجي. أي انتخابات تشريعية، حتى لو كانت وفق “هندسة” دقيقة تضمن عدم حدوث اختراقات وطنية حقيقية في النظام القائم، تعني إزاحة كبيرة في مسألة شرعية السلطة باتجاه شرعية وطنية على حساب شرعية الدور الوظيفي (مرّة أخرى من وجهة نظر إسرائيلية). هذا التحول سوف يمنح فاعلية مُحتملة وطاقة وقدرة نحو الانفكاك، ولو جزئياً، من أصفاد الدور الوظيفي، محلياً وإقليمياً ودولياً، اعتماداً على الشرعية الانتخابية الجديدة.

لا تريد إسرائيل هذا ولن تسمح به. تريد أن تبقى السلطة تحت سيطرتها، لا تعتاش إلّا على شرعية الدور الوظيفي، وتظلّ خائفة على نفسها، حتى من شعبها بسبب ضعف تمثيلها. الشرط الإسرائيلي، إذن وفي الغالب، سوف يمنع قيام هذه الانتخابات من الأساس. أيضاً وفي السياق نفسه، لا تريد إسرائيل الانتخابات الفلسطينية حتى من ناحية الشكل والعملية، حتى لو كان جوهرها ونتيجتها مضمونة ولا تهدّد إسرائيل وسيطرتها. الانتخابات تعني وتعكس شكلاً ما من “الكيانية الفلسطينية الوطنية”، وتعني إعادة ربط الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزّة، ولو نظرياً ورمزياً، وهذا كله مرفوضٌ إسرائيلياً. أي صيرورة (process) ذات مدلولات سياسية وطنية تعكس وجود “بنية وطنية” (structure)، ظاهرة أو كامنة، حتى لو كانت هشّة وضعيفة، والمدلولات الرمزية السيادية، كما الحمولات المستقبلية، لهذه الصيرورة مرفوضة إسرائيليّاً. باختصار، حتى لو انحصرت السلطة في “الدور الوظيفي” الذي تمليه عليها إسرائيل، من غير المسموح لها أن تُعزّز نفسها عبر انتخابات وطنية، لأن هذا يعني خروجاً وتمرّداً عن إطار ذلك الدور المرسوم.

في الوقت نفسه، سوف تسمح إسرائيل في الأشهر المقبلة بكل ما من شأنه استنزاف الوقت الفلسطيني وإشغال الأجندات الوطنية في مسألة الانتخابات، لأنّ هذا يقود إلى تحويل الانتباه والجهد الوطني العام عما يحدُث في غزّة وما يحدث في الضفة. الإشغال والانشغال الجمعي بـ”مهرجان الانتخابات” والقوائم والقوانين والجدل المُحتدم يخدم أجندة نتنياهو خلال الشهرين أو الثلاثة المقبلين قبيل الانتخابات الإسرائيلية. يريد نتنياهو التغوّل استيطانياً في الضفة الغربية لإرضاء أكبر شريحة ممكنة من يمين اليمين الديني والاستيطاني، ويريد التغوّل إبادياً في غزّة للهدف نفسه. في كل الحالات، يدرك قادة المستوطنين حاجة نتنياهو لهم، وما يقومون به في الحالتَين هو إيجاد وقائع جديدة تستمر حتى لو ذهب نتنياهو نفسه. الأولوية الوطنية الفلسطينية في هذه الأشهر القليلة تتمثل في حشد كل الجهد للتصدّي لمحاولة إحداث هذه الوقائع، وللتهويد المُرعب الذي يجري في الضفة الغربية، وتأبيد السيطرة الإبادة في قطاع غزّة. إدارة الظهر لهذا كله والانشغال في انتخابات لن تحدث يعني هروباً إلى الأمام. ليس هذا موقفاً ضد الانتخابات، فهي مرّة أخرى حق أصيل للفلسطينيين، لكن تأجيلها عدة أشهر أو سنة لن يضيف ضرراً كثيراً إلى ما هو قائم، لكن على الأقل قد يبقي البوصلة والأنظار موجّهة نحو الأولويات الأهم.

الانتخابات “المُقترحة” والمقرّرة مطلب وضرورة حقيقية للسلطة وللرئيس الفلسطيني. والارتباك في القرارات والمراسيم التي تريد ضمان نتائج لا تشكل تهديداً للنظام القائم يُمكن أن تُقرأ مؤشراتٍ جدّية في الرغبة في إجرائها. لكن هذه الرغبة تحوطها دوائر من التوتر والتخوفات من انفلات العملية رغم كل محاولات السيطرة المسبقة على مخرجاتها. وقد ترجمت تخوفات مشابهة سنة 2021 بإلغاء الانتخابات التي كانت مقرّرة ذلك العام، بعد استنزاف شهور ثمينة من الجهد والوقت الوطني في التحضير للانتخابات وتشكيل القوائم وسوى ذلك. آنذاك، توافقت حركتا فتح وحماس على عدم منافسة الأخيرة في الانتخابات الرئاسية والتمديد عملياً لمحمود عبّاس، وتوافقتا أيضاً على ما يشبه تصميماً مُسبقاً للنتائج يضمن عدم فوز “حماس” بأغلبية، والحدّ من إعداد مرشّحيها للدوائر المُتنافس عليها. مع هذا، تفاقمت الخلافات والاحتمالات التي هدّدت ما جرى تصميمه من مخرجات بسبب القوائم المتنافسة فتحاوياً، وما قد تؤول إليه العملية، خصوصاً مع ترشح مروان البرغوثي وتصدّره إحدى القوائم. النقطة ذات العلاقة هنا أنّ احتمالات السلطة نفسها إلغاء الانتخابات قوية، ولا يمكن التقليل منها. وقد تزداد هذه الاحتمالات إذا ما تشكلت قوائم تحالف وطني عريض ضم “حماس” وقوى وطنية أخرى، حزبية أو مستقلة، وبدا أن مثل هذا التحالف قد يفوز بنسبة مقاعد كبيرة لا يحتملها “النظام القائم”. تريد السلطة وجوداً للمعارضة يعزّز شرعيتها، لا يهدّدها أو يشكل خطراً عليها. يشير هذا كله إلى عملية دقيقة ومخاطر لا يُستهان بها من وجهة نظر السلطة، تحاول التقليل منها عبر مراسيم وهندسة نسب تعيين عالية في المجلسَين الوطني والتشريعي، وإلزام المرشّحين بالموافقة على برنامج منظمة التحرير السياسي (الوصف المهذب لـ”الموافقة على اتفاق أوسلو ومخرجاته”)، وغير ذلك من آليات.

رفض إسرائيل فكرة الانتخابات الفلسطينية للأسباب المُشار إليها أعلاه، مجموعاً إلى مخاوف واحتمالات خروج العملية الانتخابية ومُخرجاتها عن سكّة السير التي صمّمها الرئيس الفلسطيني، يؤدّي إلى استنتاج واحد، أن احتمالات إجراء هذه الانتخابات ضئيلة جداً إن لم تكن معدومة. وسوف تستنزفُ هذه الانتخابات التي لن تحدُث جهوداً، وأوقاتاً، وأموالاً، وتشتت الانتباه عمّا هو مُلح وضروري.

مقالات ذات صلة