نقطة انطلاق لملء الفراغ في الشرق الأوسط

محمود الريماوي

حرير- في أجواء اليأس وفقدان اليقين السياسي في منطقتنا، ممّا لا يماري فيه أحد من الحاكمين والمحكومين، يمثّل إعلان اتفاقية مكّة للتعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان أهمّ تطوّر تشهده منطقتنا، كما يجسّد أفضل جواب ممكن في هذه الآونة على التساؤلات المشروعة حول غياب مشروع عربي وإسلامي وإقليمي، بمواجهة المشروع التوسّعي والاحتلالي الإسرائيلي، والمشروع التوسّعي الإيراني عبر الأدوات والأذرع والوكلاء. يقول المرء هذا على الرغم من أنّ الاتفاقية لم تأتِ، حتّى اللحظة، مشفوعةً برؤىً سياسيةٍ واستراتيجيةٍ مُعلَنةٍ، بيد أنّها جاءت، وللحقّ، محمولةً على توجّه دفاعي صريح (أمني وعسكري وتسليحي بالمعنى الواسع) يشمل التدريب وتبادل الخبرات والتصنيع العسكري وتطوير الأدوات وتوطين الصناعات والخبرات وتكاملها بين الدول الثلاث، مع احتساب أيّ اعتداء على إحدى هذه الدول اعتداءً عليها جميعاً.

وهذا ليس بالأمر الهيّن، ففي حين تشهد المنطقة حرباً أميركية إسرائيلية على إيران، وتتعامل الأخيرة مع دول الخليج والأردن باعتبارها في حُكم “الرهينة”، مع السعي إلى المساس بسيادتها والإضرار بمنشآتها الحيوية. وفي وقت لا يشكّل فيه الوجود الأميركي في هذه الدول ضمانة أمنية لحمايتها، فإنّ بروز الطابع الدفاعي (الأمني والعسكري) في الاتفاقية الثلاثية يمثّل ردّاً جوهرياً، قوامه أنّ دولاً رئيسة في الشرق الأوسط الواسع قد عقدت العزم على الاعتماد على الذات، وعلى التعاون الشامل في ما بينها في المجال الدفاعي بجميع جوانبه، من غير أن يمسّ هذا التحالف بالعلاقات التي تنسجها هذه الدول مع المراكز الدولية والإقليمية، ومن غير أن يستهدف دولةً أو أكثر، غير أنّ الاتفاقية تشقّ الطريق نحو بناء قوّة ردع متكاملة تمنع الآخرين من تهديد هذه الدول، وبخاصّة مع إعلان أنّ جهود التوصّل إلى هذه الاتفاقية قد استغرقت سنوات من المباحثات والمداولات بين الأطراف الثلاثة، وقد تسارعت هذه الاتصالات بعدما وقّعت الرياض وإسلام أباد اتفاقية الدفاع المشترك بينهما في سبتمبر/ أيلول الماضي. وقد شملت الاتصالات مصر، فاستضافت القاهرة اجتماعات لمسؤولين من مصر والسعودية وباكستان وتركيا، وسبق للرئيس عبد الفتّاح السيسي أن استقبل وزراء خارجية هذه الأطراف، ورحّب باجتماعهم في أرض الكنانة، داعياً إلى بناء إطار مؤسّسي دائم يجمع دولهم. وقد نجحت هذه الأطراف الثلاثة في توحيد رؤاها الدفاعية في هذه الآونة، وتوصّلت إلى اتفاقية الدفاع المشترك، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام انضمام دول أخرى، فيما آثرت القاهرة، كما هو بادٍ، التريّث قبل الانضمام إلى هذا الإطار المؤسّسي الذي سبق أن دعت إلى إقامته.

معلوم أنّ هناك وجوداً عسكرياً باكستانياً على الأراضي السعودية، وبعضه يرجع إلى ما قبل توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدَين، لكن هذا الوجود تزايد بعد إعلان الاتفاقية، وبات يشمل مقاتلات وأنظمة دفاع جوي إلى جانب قوّة عسكرية قوامها نحو ثمانية آلاف جندي وضابط. واقع الحال أنّ هذا الوجود أسهم في تعزيز القدرات الدفاعية السعودية في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، وهو ما يحمل إجابةً عن تساؤلات تشكّك في “جدوى” الاتفاقية، بالإحالة على الاتفاقية السابقة بين الرياض وإسلام أباد، ومحاولة التشكيك في فاعليتها في مواجهة التعدّيات الإيرانية، وما تلاها من اعتداءات مصدرها وكلاء إيران في اليمن والعراق، والانتقال من ذلك إلى التشكيك في الاتفاقية الثلاثية التي تضمّ قوّةً اقتصاديةً وعسكريةً وازنةً وسريعة التطوّر هي تركيا. وبينما تتوطّد العلاقات الباكستانية مع كلّ من تركيا والسعودية، تنجح إسلام أباد في رعاية المفاوضات الأميركية الإيرانية، ومن المرتقب أن يتجدّد ظهور الوسيط الباكستاني لدى أوّل انعطافة جديدة نحو إعادة التفاوض، مع دعم يلقاه الطرف الباكستاني من قطر وعُمان. وذلك يدلّ على ما تتمتّع به إسلام أباد من هامش واسع للحركة، وجهد مُقدّر في احتواء الحرب. أمّا تركيا التي رفضت هذه الحرب، فإنّها استضافت أخيراً قمّة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وجرى فيها إبرام صفقات الصناعات الدفاعية التركية مع دول في الحلف بحضور الرئيس دونالد ترامب وأقطاب غربيين، ما يدلّ على المكانة المتنامية لهذه الدولة في المعادلات الإقليمية والدولية، ما يجعل انضمامها إلى الاتفاقية الثلاثية أمراً فائق الأهمّية.

يسترعي الاهتمام أنّ إعلان الاتفاقية (السابع من أغسطس/ آب الجاري)، جاء مفاجئاً ومن غير تمهيد، على الرغم من الاتصالات المُعلَنة بين مسؤولي الدول الثلاث، إذ لم يتوقّع كثيرون أن تنتهي الاتصالات إلى هذه الاتفاقية النوعية التي تستجيب لمصالح شعوب المنطقة ودولها، ومن شأنها أن تملأ فراغاً استراتيجياً إذا ما مُضي فيها ووضع لها منظور سياسي. وهو الأمر المتوقّع في المرحلة المقبلة. وقد لوحظ أنّ المراكز الدولية في واشنطن وبكين وموسكو لم تبدِ مواقف فورية، فيما انقسم الفاعلون في إيران بين مشكّك ومؤيّد، وهناك مَن منح نفسه مهلةً أطول لتقييم هذا التطوّر. أمّا في دولة الاحتلال الإسرائيلي، فقد جاءت الصدمة لدى زعمائها واضحةً، إذ كان أعداء السلام في تل أبيب يُمنّون أنفسهم باجتذاب الرياض إلى التطبيع مع دولتهم، على الرغم من جنوح هذه الدولة إلى مزيد من التعدّيات على الدول المجاورة، كما على الشعب الرازح تحت الاحتلال، فإذا بالرياض تتحالف دفاعياً مع إسلام أباد وأنقرة، آخذةً في الاعتبار ما تتعرّض له المنطقة من تعدّيات أمنية متزايدة ذات مخاطر كُبرى، ومصدرها أطراف معلومة، بما يحمله هذا من تحدٍّ جسيم لإرادة دول المنطقة وشعوبها، وقد جاءت الاستجابة لهذا التحدّي إيجابيةً بإبرام هذه الاتفاقية الثلاثية.

قبل أشهر، كان بنيامين نتنياهو يشدّد على أنّه ماضٍ في الحرب على (ما عدّه) مركز الإسلام الشيعي في طهران، محذّراً في الوقت نفسه ممّا سمّاه تحالفاً راديكالياً سُنّياً. وبصرف النظر عن هذه التسمية الأخيرة، فإنّ التوحّش الإسرائيلي المقترن بالأطماع التوسّعية المكشوفة قد أخذ يجد ردّاً عليه، بعيداً من المؤتمرات وحفلات الكلام والمواجهات اللفظية، وذلك في حلف دفاعي متكامل بين ثلاث دول فاعلة، وتلك نقطة انطلاق لمعالجة الخلل وتصحيح المعادلات في الشرق الأوسط، وسيكون لها ما بعدها.

مقالات ذات صلة