لماذا تخطئ ساعتك الذكية فى قياس الضغط والنوم رغم سعرها المرتفع؟

حرير- قد تدفع مالا كثيرا لشراء ساعة ذكية تخبرك كل صباح بعدد ساعات نومك، والوقت الذي أمضيته في النوم العميق، ومعدل ضربات القلب، ومستوى الأكسجين، وربما ضغط الدم؛ أرقام دقيقة بالدقائق والنسب المئوية توحي بأنك تحمل مختبرًا طبيًا صغيرًا على معصمك، لكن الدراسات تكشف أن الأمر أكثر تعقيدًا، فبعض هذه الأرقام لا تقيسها الساعة مباشرة، وإنما تستنتجها خوارزميات من إشارات أخرى.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن ارتفاع سعر الساعة لا يحول مستشعراتها تلقائيًا إلى أجهزة طبية؛ فأنت تدفع أيضًا مقابل الشاشة والمعالج والبطارية والتصميم والمواد ونظام التشغيل والاتصال بالهاتف ونظام تحديد المواقع، وليس مقابل دقة القياسات الصحية وحدها.

الساعة لا ترى ما يحدث داخل جسمك بالكامل

تعتمد معظم الساعات والأساور الذكية على مستشعر بصري يعرف باسم PPG، يرسل ضوءًا إلى الجلد ويرصد التغير في الضوء المنعكس الناتج عن تدفق الدم، ثم تستخدم الخوارزميات هذه الإشارات إلى جانب مستشعرات الحركة وغيرها لاستخراج معلومات صحية، لكن هناك فارقًا بين قياس مؤشر يرتبط مباشرة نسبيًا بما يرصده المستشعر، مثل النبض، ومحاولة معرفة معلومات أكثر تعقيدًا، مثل ضغط الدم أو مراحل النوم.

وبحسب جمعية القلب الأمريكية، تعتمد معظم تقنيات قياس ضغط الدم دون السوار القابل للنفخ على إشارات مثل المستشعر البصري PPG أو الموجة النبضية، ثم تدمجها أحيانًا مع زمن انتقال النبضة وخوارزميات التعلم الآلي؛ أي أنها تقدر ضغط الدم بصورة غير مباشرة بدل قياسه بالطريقة المستخدمة في أجهزة الضغط التقليدية.

ضغط الدم.. تحاول الخوارزمية معرفة رقم لم تقسه مباشرة

جهاز الضغط التقليدي يضع سوارًا حول الذراع ويضغط على الشريان، ثم يستخرج الضغط أثناء تغير مستوى الضغط داخل السوار؛ أما كثير من الساعات والأجهزة التي تعد بقياس الضغط دون سوار قابل للنفخ، فتحاول الوصول إلى الرقم من تغيرات تدفق الدم وشكل النبضة.

وتوضح جمعية القلب الأمريكية في بيان علمي عن أجهزة قياس الضغط دون سوار أن النتائج التي تقدمها بعض هذه الأجهزة يمكن أن تمثل تغير ضغط الدم بالنسبة إلى قراءة سابقة استخدمت لمعايرة الجهاز، وليس قياسًا مباشرًا مستقلًا للضغط في كل مرة، ولهذا جاءت إرشادات ضغط الدم الأمريكية لعام 2025 الصادرة عن جمعية القلب الأمريكية والكلية الأمريكية لأمراض القلب واضحة؛ إذ أوصت بعدم الاعتماد على أجهزة قياس الضغط دون سوار، بما فيها الساعات الذكية، للحصول على قياسات دقيقة حتى تثبت هذه الأجهزة مستوى أعلى من الدقة والموثوقية.

كما حذرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA من استخدام الأجهزة وميزات الساعات والخواتم الذكية غير المعتمدة التي تدعي قياس ضغط الدم، موضحة أن القراءة غير الدقيقة يمكن أن تسبب أخطاء في اكتشاف ارتفاع أو انخفاض الضغط أو تؤدي إلى قرارات علاجية غير مناسبة.

وهذا لا يعني أن جميع الساعات متساوية أو أن أي جهاز يوضع على المعصم غير دقيق؛ فهناك أجهزة طبية معتمدة تستخدم تقنيات مختلفة، لكن التحذير يتعلق خصوصًا بالخلط بين تقدير الضغط بواسطة الخوارزميات والقياس الطبي المعتمد.

النوم.. الساعة لا تقيس نشاط المخ

تزداد المشكلة وضوحًا مع تتبع النوم؛ فعندما تقول الساعة إنك حصلت على ساعة و12 دقيقة من النوم العميق و85 دقيقة من نوم حركة العين السريعة REM، يبدو الرقم كما لو أن الجهاز شاهد بالفعل ما يحدث أثناء نومك.

الطريقة المرجعية المستخدمة طبيًا لدراسة النوم هي تخطيط النوم المتعدد Polysomnography أو PSG، الذي يسجل مجموعة من الإشارات الفسيولوجية، من بينها نشاط المخ وحركة العين ونشاط العضلات؛ بينما تعتمد الساعات الاستهلاكية أساسًا على الحركة ومعدل القلب وإشارات فسيولوجية يمكن التقاطها من المعصم، ثم تستخدم الخوارزمية لمحاولة معرفة المرحلة التي يرجح أنك كنت تمر بها.

وهذا الفارق ظهر بوضوح في دراسة منشورة عام 2025 في دورية SLEEP Advances التابعة لجامعة أكسفورد، قارنت ستة أجهزة شهيرة لتتبع النوم، هي Apple Watch Series 8 وFitbit Sense وFitbit Charge 5 وWhoop 4.0 وGarmin Vivosmart 4 وWithings ScanWatch، مع فحص النوم الطبي PSG لدى 62 مشاركًا.

ووجد الباحثون أن جميع الأجهزة كانت جيدة نسبيًا في اكتشاف النوم عمومًا؛ إذ تجاوزت قدرتها على اكتشاف فترات النوم 90%، لكن المشكلة ظهرت عندما كان عليها اكتشاف أن الشخص مستيقظ، فتراوحت قدرتها على اكتشاف فترات الاستيقاظ بشكل صحيح بين نحو 29% في Garmin Vivosmart 4 و52% في Apple Watch Series 8، بينما سجل Fitbit Sense نحو 49% وFitbit Charge 5 نحو 48%.

والسبب الذي أشار إليه الباحثون منطقي للغاية؛ الشخص الذي يكون مستيقظًا لكنه مستلقٍ بلا حركة يمكن أن يشبه، بالنسبة لمستشعر موجود على المعصم، شخصًا نائمًا.

مراحل النوم يمكن أن تختلف بعشرات الدقائق

لم تقتصر الاختلافات على معرفة ما إذا كان الشخص نائمًا أم مستيقظًا؛ فقد ظهرت فروق أيضًا في تقدير مراحل النوم نفسها، ووفق الدراسة المنشورة في SLEEP Advances، بالغ Whoop 4.0 في تقدير النوم العميق بمتوسط يقارب 31 دقيقة، بينما قلل Apple Watch Series 8 تقديره بنحو 25 دقيقة مقارنة بفحص النوم الطبي؛ كما بالغ Whoop في تقدير نوم REM بنحو 15 دقيقة، بينما قلله Apple Watch بنحو 13 دقيقة، أما النوم الخفيف، فقد بالغ Apple Watch Series 8 في تقديره بنحو 59 دقيقة، في حين قلل Withings ScanWatch تقديره بأكثر من 33 دقيقة مقارنة بالفحص الطبي.

وهذه النتائج لا تعني أن ساعة معينة «سيئة» بصورة مطلقة؛ بل تكشف أن الرقم الذي يظهر أمام المستخدم باعتباره «ساعة و17 دقيقة من النوم العميق» يظل تقديرًا خوارزميًا يمكن أن يختلف عن القياس الطبي.

تأثير العمر على القياس

كما لا تعمل الخوارزميات بالدرجة نفسها لدى جميع الأشخاص، ففي دراسة منشورة عام 2026 في SLEEP Advances قارنت أداء أجهزة استهلاكية لتتبع النوم، من بينها Fitbit وOura، إلى جانب أجهزة أخرى، مع فحص النوم الطبي لدى بالغين أصغر وأكبر سنًا؛ أظهرت النتائج أن أجهزة تتبع النوم الاستهلاكية ما زالت تواجه صعوبات في تقدير بعض المؤشرات، وخاصة لدى كبار السن.

ووجد الباحثون، على سبيل المثال، أن الأجهزة واجهت مشكلة في تحديد توقيت بداية النوم بدقة، مع ميل إلى تقدير أن النوم بدأ في وقت أبكر مما أظهره فحص PSG لدى كبار السن، وهو ما يمكن أن يؤدي بدوره إلى المبالغة في تقدير إجمالي مدة النوم.

وهنا تظهر إحدى المشكلات الأساسية في الخوارزميات الصحية؛ العلاقة بين الحركة والنبض والنوم ليست بالضرورة متطابقة لدى جميع الأعمار والأجسام والحالات الصحية.

لماذا إذن تكون الساعة غالية؟

لأن سعر الساعة لا يعكس دقة المؤشرات الطبية وحدها، فالساعة المتطورة تجمع في جهاز صغير شاشة عالية الدقة ومعالجًا وبطارية ونظام تشغيل ومستشعرات متعددة ونظام GPS واتصالات لاسلكية ومقاومة للماء ومواد تصنيع مرتفعة التكلفة، إلى جانب سنوات من تطوير البرمجيات والخوارزميات، وقد تدفع الشركات ملايين الدولارات لتحسين المستشعرات والخوارزميات، وهو ما يجعل جيلًا جديدًا من الأجهزة أكثر دقة من جيل أقدم، لكنه لا يستطيع إزالة أحد القيود الفيزيائية الأساسية:

الخوارزمية لا تستطيع قياس إشارة لم يلتقطها المستشعر .

فإذا لم تكن الساعة تقيس موجات المخ وحركة العين ونشاط العضلات، فإن تحديد مرحلة النوم سيظل قائمًا على استنتاجها من إشارات أخرى مرتبطة بها؛ وإذا لم تكن تقيس ضغط الشريان بالطريقة المباشرة المستخدمة في جهاز الضغط التقليدي، فستحتاج إلى استنتاج الضغط من تغيرات أخرى يستطيع المستشعر رؤيتها.

هل هذا يعني أن بيانات الساعة بلا فائدة؟

على العكس؛ المشكلة ليست في استخدام الساعات الصحية، بل في طريقة تفسير أرقامها، خلصت دراسة الأجهزة الستة المنشورة في SLEEP Advances إلى أن بعض الأجهزة، ومنها Apple Watch Series 8 وFitbit Sense وFitbit Charge 5، يمكن أن تكون مفيدة في تتبع التغيرات الكبيرة والممتدة في نمط النوم، حتى مع استمرار الحاجة إلى تحسين قدرتها على تصنيف مراحل النوم المختلفة.

وهنا قد تكون القيمة الحقيقية للساعة؛ فإذا كان متوسط نومك المعتاد سبع ساعات ثم بدأ ينخفض بصورة مستمرة على مدار أسابيع، فالاتجاه نفسه قد يكون أكثر أهمية من السؤال عما إذا كنت حصلت ليلة أمس على 47 أم 59 دقيقة من النوم العميق،وينطبق الأمر نفسه على المؤشرات الحيوية الأخرى؛ الساعة يمكن أن تصبح أداة ممتازة لمتابعة الاتجاهات والتنبيه إلى تغيرات محتملة، لكنها ليست بالضرورة بديلًا للأجهزة الطبية عندما يتعلق الأمر بالتشخيص أو اتخاذ قرار علاجي.

مقالات ذات صلة