الأردن على حافة «سكة حديد»

بسام البدارين

حرير- «الباص السريع دهس نصف الأردنيين … ماذا سيفعل بهم القطار؟».

كانت تلك عبارة تنطوي بوضوح على مبالغة درامية هادفة بتوقيع النائب المشتبك دوما مع الحكومة وصاحب العبارات اللاذعة محمد الظهراوي.

طبعا يعرف الجميع بأن عدة حوادث سير وحالات وفاة حصلت جراء صعوبة هضم المواطنين لفكرة وجود باص سريع يمر في بعض الشوارع.

أحد العاملين في المشروع تحدث أمام كاتب المقال عن بعض حالات الوفاة في مسار الباص السريع حين يتحول المواطن إلى «صريع» جراء مقاومة سلبية غير مفهومة لفكرة تجنب عبور المسار أثناء حركة باص سريع.

أحدهم حمل الأرجيلة الخاصة به وقرر الجلوس في أقرب مسافة ممكنة من مسار الباص السريع وقضاء أمسية خاصة.

ليس سرا أن العشاق والأحبة يتبادلون الود أحيانا على جنبات الباص السريع فتحصل حوادث مع أن عمان العاصمة فيها اليوم أكثر من 6 آلاف مقهى من مختلف الفروع والأصناف.

المهم: ما يخشاه ظهراوي بعد مصادرة أملاك المواطنين واستملاكها لأغراض السكك الحديدية حصول حوادث درامية إذا ما عبرت قطارات الشحن وسط مناطق مأهولة مثل الأغوار.

تلك الدعابة التي أطلقها النائب الظهراوي تستوجب التأمل والتعمق عند المخططين والمهندسين إذا ما قررت الحكومة ملامسة ذلك السياق الثقافي الاجتماعي السلوكي الذي يوضح بصراحة بأن ثقافة القطارات والسكك الحديدية في المواصلات ونقل البضائع جديدة تماما على الأردنيين.

المسألة هنا لا تتعلق لا بقانون الملكية العقارية الجديد. ولا في السياق الاستثماري المحتمل. ولا حتى بالجدل التشريعي.

الفكرة باختصار تتعلق حصرا بتثقيف المواطنين وبملامسة حقوقهم في إنشاء ذكريات حول خطوط السكك الحديدية تماثل ما يرصد في الأفلام الأجنبية والعربية دون وقوع حوادث دهس ودون ضمان عدم حصول حالات انتحار.

بعض البؤساء الذين يقررون الانتحار لسبب هنا أو هناك سيتوفر لديهم بعد الآن فائض من الاختيار إذا ما أقيمت سكك حديدية أفقية على مساحة واسعة في البلاد بدلا من الوقوف على رأس جسر عبدون الشهير في العاصمة عمان حيث يلقي مترفون ومحبطون بأنفسهم.

الفقراء أيضا واليائسون في مناطق بائسة يستطيعون التجمع على هامشي سكة حديد بعد إنشائها طبعا ومن يرغب بالانتحار أمامه فرص إضافية وأماكن متنوعة.

عمليا لا بد من تثقيف المواطنين عموما في جوار محطات العبور والسكك الحديدية بالتوازي مع خطط طموحة ولا يعترض عليها عاقل تحت عنوان تجهيز البنية التشريعية والتحتية لاستثمارات لا مجال لتجاهلها في قطاع النقل البري السريع حتى لا نقول الصريع.

راقب الأردنيون باهتمام تلك النقاشات التي رافقت قانون الاستملاك والملكية العقارية الجديد.

وما اتضح لأي مراقب هو فارق المساحة ما بين ممارسة خطاب شعبوي غرائزي ضد مشروع القانون من قبل طيف واسع من النواب ثم انقلاب صاحب الخطاب فجأة أثناء التصويت.

ذلك لا يحصل لأول مرة في مجلس النواب الأردني. ولا يبرر أي اكتئاب في الواقع لأن المداخلات الشعبوية أساسها الترويج والتسويق.

ذاكرة الناس في الانتخابات والتمثيل الديمقراطي قصيرة الأمد أو مثقوبة والنائب الذي يخطب ضد قانون أمام الكاميرات ثم يصوت لصالحه يعلم مسبقا أن ناخبيه عقلاء ولا يتذكرون ومتسامحون ولن يخضعوه لأي مساءلة فيما تدفع فاتورة الفوارق هنا فقط سمعة العملية الانتخابية والبرلمانية وهيبة مؤسسة التشريع.

لا الهيبة ولا السمعة لديهما أنصار كثر لا في واقع النخبة والمؤسسات ولا في الواقع الاجتماعي.

المهم: قانون الملكية العقارية عبر بسلام كما تشتهي الحكومة ومن صوت مع الحكومة ولصالحها هنا أكثر من 22 نائبا على الأقل خطبوا ضد القانون أمام الناس.

نهنئ الحكومة ليس بمنجزها التشريعي هنا ولكن بوجود نواب يؤمنون بالمرونة الشديدة ولديهم قدرة على عكس قناعاتهم اللفظية.

توجيه اللوم للمؤسسات هنا خطأ بصري فاضح ومن يتحمل المسؤولية آخر النهار هو الناخب المواطن.

غياب واضح وفاضح لسيناريو المتابعة لسجلات الممثل التشريعي وآليات المحاسبة على الأداء .. تلك طبعا قصة أخرى تماما.

التذكير ضروري: في هذه المرحلة عقد دورات اجتماعية في الأحياء والمناطق التي ستعبر منها السكك الحديدية لتثقيف الناس محطة أساسية بعنوان ما الذي يعنيه وجود سكة قطار في جوارهم على السهل وبين الهضاب والجبال أو بالقرب من الأحياء السكنية.

قد تستهين الحكومة بذلك لكنه استثنائي الأهمية لصناعة حالة اشتباك إيجابية بين الإنسان والقطار مستقبلا حتى لا تتكرر مآسي جسر عبدون الشهير. وحتى لا تتحول نبوءة النائب الظهراوي الساخرة إلى حالة فيزيائية.

مرحبا بالاستثمار في قطاع النقل البري. مرحبا بالتحول هنا.

لكن الانتباه واجب لأن المواطن الأردني لا يعرف ما الذي يعنيه وجود سكة حديد أو قطار.

الشركات الربحية التي تستفيد لاحقا عليها واجب اسمه «مسؤولية اجتماعية».

مقالات ذات صلة