
الأردن: التحدث مع الشعب لم يعد خيارا ترفيا
بسام البدارين
حرير- لا حجة بعد الآن لكل من لم يلتقط الرسالة الرسمية العميقة التي سعت السلطات الأردنية لتوجيهها للمواطنين بعنوان تحديث تقنيات التواصل مع الجمهور تحت بند «إنذارات طوارئ لاسلكية» تصل عبر هواتف الأردنيين.
يقولها ساسة ومسؤولون لكن خلف الستائر ولم تعد سرا: الأوضاع صعبة ومعقدة… الأردن مستهدف أكثر من جهة إيران… إنهاء العلاقات التحالفية مع أمريكا ليست خيارا… الأسوأ قادم في الطريق.
الأردن يستعد لأسوأ ما في تداعيات الحرب الأمريكية العدوانية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية التي كانت حتى وقت قريب جارا إقليميا قويا يفضل الأردن وغيره من الدول العربية والإقليمية الحفاظ على مسافة معه.
الأوضح أن الأردن أصبح هدفا مفضلا للقاعدة الإيرانية التي تقول: «المطلوب رفع كلفة التحالف بين دول المنطقة والولايات المتحدة وتوسيع قاعدة الصراع لا بل فتح ساحات صراع جديدة إذا ما أصر الأمريكيون على إخضاع المؤسسة الإيرانية.
ذلك يعني تحولات كبيرة. لكن الأهم: على الأردنيين إعداد أنفسهم لـ»متغيرات عميقة قد تحصل».
إيران في الفهم الشعبي للسياق لا تزال أبعد عن منطقة «العدو» لكنها أقرب إلى موقع» المغامر» والعدو الوحيد هو إسرائيل والولايات المتحدة هي «منتجة كل المشاكل».
تغطية الشمس بالغربال مهمة مستحيلة اليوم وواجب الحكومة والسلطات «التصرف مع الرأي العام» على أساس تلك القناعات وإدخالها في عمق عملية بناء القرار الوطني والسيادي.
مطلوب رسميا فهم تلك القناعات بعمق وليس بالضرورة التصرف بموجبها لأن إدارة الدول تختلف تماما في التوازنات مع شعارات «ما يطلبه الجمهور».
في كل حال توجيه رسائل عبر الهواتف الخلوية بعنوان الطوارئ تقنية جديدة تم تجريبها صباح الاثنين الماضي على أساس التواصل مع الأردنيين جميعا في مواقيت حصول أزمة.
الدولة تستعد لتحسين مستوى التواصل مع الجمهور… هذه خطوة حميدة وإن كانت تعكس زحفا أكبر للهواجس والمخاوف ذات الصلة بطرفي صراع غير موثوقين يخطط كل منهما لتحويل الأردن إلى «ساحة اشتباك».
التعامل مع الأردن باعتباره «ساحة» فهم خاطئ لطبيعة العلاقة بين الأردنيين ومؤسساتهم وللواقع وللجغرافيا والتاريخ ومغامرة غير محسوبة لأن ثوابت ومسارات الشعب الأردني واضحة ومحددة.
مفهوم ضمنا: بناء التحالفات والصداقات بما في ذلك التحالفات والبروتوكولات العسكرية شأن سيادي أردني خالص ورغم مقت الشعب الأردني لسياسات الولايات المتحدة لا يحق لأي طرف آخر في الإقليم التدخل في خيارات تحالفات الدولة الأردنية.
إيران التي كانت ضحية اعتداء أمريكي إسرائيلي بوضوح ليست صاحبة الاختصاص في تحديد أولويات أو احتياجات الأردنيين بالرغم من التحفظ والاعتراض الكبير على مستوى مكاسب وعوائد لا بل مخاسر العلاقات مع الأمريكيين في هذه المرحلة.
تعزيز وتمتين الجبهة الداخلية هو الأكثر إلحاحا وأهمية ويتطلب مقاربات لا بل قرارات شجاعة بيروقراطيا وسياسيا وأمنيا تحافظ على ما يمكن الحفاظ عليه من المساحة المشتركة بين مؤسسات الدولة ورعاياها بعيدا عن حسابات الاصطفاف والتحالف.
ومن هنا نقول بضرورة إقناع الحكومة القائمة بالتحدث مع الشعب.. لم يعد ذلك خيارا ترفيا بل ممر اضطراري تتطلبه مقتضيات توحيد الرواية والمواقف.
مطلوب أيضا وبإلحاح إقناع رموز الحكومة القائمة إذا كانت الظروف لا تسمح بتغيير تلك الرموز أو ترحيل الحكومة بأن المساحة الأهم الآن في الأولويات هي تأسيس حالة حوار تصالحي وطني داخلي عميق.
لابد من الإجابة علنا ووطنيا على سؤالين: ما الذي يجري؟… وما هو المتوقع أن يحصل؟
مهم جدا معرفة خيارات الدولة في هذه المرحلة وعلى أي أساس تم بناؤها.
وفي المقابل التوقف مهم للغاية عند محطة أذرع الإعلام الرسمي وفقدان مصداقيته وترك النص الرسمي في كنف أشخاص لا يقتنع بهم الشعب ولديهم سجل تحريضي بشع وروايات متسرعة أو تحريضية.
نقل سردية الدولة وروايتها للأحداث خطوة أساسية حتى تجد الرواية من يصادق عليها ويتبناها ويتحدث باسمها أو إن شئتم يتم تجنيده لترويجها.
الإعلام الرسمي في وضعه الحالي عاجز تماما لا بل مشلول.
وفي ظل حالة السيولة الاستراتيجية التي تمر بها المنطقة يمكن وفورا العمل على تجديد وتطوير خطاب الأردن الرسمي مع أهل الضفة الغربية حصريا من باب تعزيز الذخائر في الاحتياطي الاستراتيجي الوطني للأيام والأسابيع المقبلة التي ستكون على الأرجح صعبة للغاية ومعقدة.
طريقة التواصل المعتمدة مع أهالي الضفة الغربية منذ عام 1994 بائسة وسقيمة ولم تعد تخدم المطلوب في المرحلة المقبلة ولا بد من إعادة تأطير الأساليب والرموز ورسائل الخطاب بعيدا عن أدبيات ما يسمى في البيانات الرسمية بالشرعية الفلسطينية.
وبعيدا عن حتى فكر الفصائل بما في ذلك الفصيل الأبرز الذي لم يعد موجودا في الواقع الفلسطيني ونتحدث هنا عن حركة فتح وعن غيرها.
أحد المتنفذين في مجلس أعيان الأردن أبلغ زملاء له خلف ستارة: «الوضع معقد والأيام المقبلة صعبة».
لذلك نقول لسكان الطبقة العليا في القرار: حسنا… «تحدثوا قليلا بصراحة مع الرعية».



