إسرائيل وقتل “أونروا”

سمير الزبن

حرير- يعمل المجرم لإخفاء الأدلة التي تدينه، ولو كانت أدلة علنيةً لا يمكن إخفاؤها. لكنّ إصرار المجرم على إخفاء جريمته لا ينتهي، وهذه حال إسرائيل مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، السجلّ المُعلَن للجريمة الإسرائيلية الكُبرى بحقّ الشعب الفلسطيني. لذلك، تستغلّ إسرائيل كلّ فرصة للنيل من هذه المؤسّسة الدولية المتخصّصة بنكبة الفلسطينيين.

بعد تاريخ طويل من الهجوم الإسرائيلي على “أونروا” منذ تأسيسها، جاءت الحرب عليها جزءاً من الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين بعد “طوفان الأقصى”، وحرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزّة. اتهمت إسرائيل 30 من موظفي “أونروا” بمشاركة مقاتلي حركة حماس في الهجوم على إسرائيل في “7 أكتوبر” (2023). وعلى خلفية هذه الاتهامات، سنّت إسرائيل قوانين تمنع “أونروا” من العمل في المناطق الخاضعة لسيادتها، ومنعتها من العمل في مدينة القدس، ومنعت السلطات الإسرائيلية من التعامل معها، وضيّقت عليها في كلٍّ من الضفّة الغربية وقطاع غزّة. وقد أوقفت إدارة دونالد ترامب الأولى تمويل الولايات المتحدة “أونروا”، وأقرّ الكونغرس مرّة أخرى وقف التمويل بعد اتهامات إسرائيل للوكالة. وأوقفت عدة دول تمويل “أونروا” أو خفّضته، ما جعل المؤسّسة الدولية تعاني أزمةً حادّةً أثّرت في عملياتها في الدول والمناطق التي يقطنها اللاجئون الفلسطينيون، وفي مقدّمها قطاع غزّة، الذي يعاني سكّانه أسوأ حالة عوز بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية وهدمها أغلبية الأبنية السكنية والمؤسّسات في القطاع. وجاء إعلان “مجلس السلام” الذي سيدير قطاع غزّة في المرحلة المقبلة باستبعاد “أونروا” من تقديم الخدمات في غزّة مستقبلاً ليزيد الطوق الخانق على الوكالة، وهو ما يهدّد حياة عشرات آلاف في القطاع، تعتمد حياتهم على مساعدتها بعد الكارثة التي أحدثتها إسرائيل في القطاع الذي يحتاج إلى مزيد من المساعدات للخروج من الوضع الصعب الذي يعيشه سكّانه.

إنّها محاولة إسرائيل وحلفائها المتكرّرة من أجل إلغاء الدور الذي لعبته “أونروا” في حياة الفلسطينيين وفي تاريخ الصراع، فقد شكّلت الهيئة الدولية التي تخصّصت في شؤونهم جزءاً أساسياً من سجلّ المعاناة الفلسطينية. فمنذ ولادتها، تحيل “أونروا”، في عملها، على النكبة الفلسطينية بوصفها المنطلق الذي ولدت في سياقه هذه المؤسّسة الأممية. ولذلك، يعيد وجودها بوصفها مؤسّسة مهمتها “إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين” كلّ المعاناة الفلسطينية إلى الجريمة التي ارتُكبت بحقّ هذا الشعب وطرده من وطنه. وهؤلاء اللاجئون المنشغلة بهم “أونروا” لهم الحقّ في العودة إلى ديارهم التي طُردوا منها، كما ينصّ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194. وظيفة الوكالة بصفتها سجلّاً للنكبة الفلسطينية تجعل تقارير “أونروا” تذكّر كلّ عام بالجريمة الأصلية التي ارتُكبت بحقّ الفلسطينيين لتأسيس دولة إسرائيل على أنقاض وطنهم. لهذا السبب، تسعى إسرائيل إلى إلغاء “أونروا” لتؤسّس لإلغاء “حقّ العودة” للفلسطينيين، بشطب واحد من أهمّ سجلّات الجريمة الإسرائيلية بحقّ الفلسطينيين الذين ما زالوا الدليل الحيّ على هذه الجريمة.

لا يمكن فصل الإجراءات ضدّ “أونروا” عن الحرب الإسرائيلية المجنونة على قطاع غزّة بالوسائل العسكرية، وهي حرب على كلّ الحقوق الوطنية الفلسطينية بالمعنى السياسي. فلا تسعى إسرائيل من خلال حربها إلى هزيمة حركة حماس فحسب، بل تريد هزيمة الفلسطينيين، والوطنية الفلسطينية، والحقوق الفلسطينية أيضاً. أيْ إنّ هذه الحرب هي على الوجود الفلسطيني في كلّ مكان، بوصف هذا الوجود، أينما كان، تهديداً وجودياً لإسرائيل. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الهجوم الإسرائيلي على “أونروا” وعملها عنواناً من العناوين الأكثر بروزاً للقضية الفلسطينية في مواجهة إسرائيل.

ومن الواضح أنّ حلفاء إسرائيل يسعون في قضية “أونروا” إلى معاقبة ضحايا الحرب الإسرائيلية فوق المعاناة التي يعانونها بفعل الحرب. فهم يسعون إلى منع المساعدات عنهم، لأنّ مَن يقدّمها مؤسّسة دولية لا تريدها إسرائيل. اختارت هذه الدول معاقبة المحتاجين، فهل سيؤدّي عقاب المُعدِمين وتحويلهم إلى يائسين بالمطلق إلى إنجاز السلام في المنطقة، كما تدّعي هذه الأطراف؟ إنّ تحويل المُعدِمين إلى يائسين هو مساهمة في دفعهم إلى الحقد على هذا العالم الظالم والمنحاز بالنسبة إليهم، ودفعهم إلى التفكير في الانتقام ممَّن عاقبهم وأجرم بحقّهم، والمساس بمن مسّ بهم. إنّ البحث عن سلام في المنطقة لا يأتي من معاقبة الفئات الضعيفة، إنّما من الاعتراف بحقوقها ومساعدتها على الاعتماد على نفسها، وليس بتحطيم حياتها وتدمير بيوتها وقتلها وقتل أطفالها، ومن ثمّ إغلاق المؤسّسات التي تساعدهم من أجل الاستمرار في حياتهم في الحدّ الأدنى البشري.

وبعد هذا، تتساءل إسرائيل والدول الكُبرى: من أين يأتي هذا العنف في المنطقة، ولا يريدون أن يروا أنّ هذا العنف تصنعه سياساتهم من خلال الدعم المطلق للدولة الأكثر عدواناً في المنطقة. دعموا حرب إبادة في مواجهة جموع السكّان في غزّة الذين بات معظمهم لاجئين في القطاع. لم يترك جيش الاحتلال الإسرائيلي مكاناً صالحاً للسكن في قطاع غزّة، لقد دمّر أغلب مباني القطاع، وهجّر كلّ السكّان تقريباً من بيوتهم، وهؤلاء الذين هاموا على وجوههم يُعاقبون بحرمانهم من المساعدات الشحيحة التي يحصلون عليها. إنّ الدول التي قطعت مساعداتها عن “أونروا” تعبّر عن سياسة عنصرية تجاه الفئات الأكثر ضعفاً التي كوتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة، وهي لا تريد أن ترى آلام الضحايا في غزّة وغيرها، وتدّعي أنّ من حقّ الجلاد أن يدافع عن حقّه في التوغّل في دم الضحايا؛ لأنّ الضحية جرحت كرامته، وأظهرت فشله، وهو ما اعتبره تهديداً وجودياً يسعى إلى الردّ عليه بإبادة الفلسطينيين. وهي عنصرية وقحة من إسرائيل ومن داعميها، الذين يسعون إلى دفن الدليل الحيّ على الجريمة الإسرائيلية بقتل “أونروا”.

مقالات ذات صلة