كورونا في هذه الاعترافات… المؤامرة و”نظريّة المؤامرة”

ليلى الشايب

حرير- “قنبلة مدوية”… هكذا وصفت شهادة مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية السابقة، تولسي غابارد، في يوم عملها الأخير عن “الصندوق الأسود” لحقيقة فيروس كورونا وعن المدير السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، أنتوني فاوتشي. ولم يكن ما كشفته مجرد انتقام أو تبرئة ذمة، بل أكثر من هذا بكثير، فقد جسّدت جائحة كورونا نموذجاً نادراً لتحالف السياسة والعلم والبزنس والاستخبارات ضد مصالح ملايين الناس في العالم وضد سلامتهم وضد الحقيقة.

لعقود مقبلة، سيذكر عام 2020 بـ”عام كورونا”، وتتأكّد مقولة أنّ العالم بعد كورونا لن يكون أبداً كما كان قبلها، وأن كورونا ستجرّ بعدها أحداثاً جساماً ستولّد مزيداً من الفيروسات، ستتوزّع جغرافياً وزمنيّاً، ثم تلتقي تتجمّع لتفتك بمن نجا من “أب الفيروسات”. ورغم انغماس العالم في حروبٍ وصراعاتٍ دموية وأزمات اقتصادية وتغييرات مناخية متطرّفة أحياناً، يفترض بها منطقياً أن تحوّل انتباه الناس إلى تداعياتها المباشرة والمؤجلة على حياتهم، إلّا أن شبح عودة لعنة الفيروسات لا يزال ماثلاً في زاوية ما من الوعي واللاوعي الجماعي… وفي هذا السياق النفسي المتوجس، تأتي اعترافات تولسي غابارد لتمنحه مبرّراً ومصداقية يفتقر إليهما شخوص “مسرحية كورونا” غير الممتعة. في بيانها العاصف الذي وصف بنقطة تحوّل تاريخية، رفعت غابارد السرّية وبشجاعة نادرة عن وثائق رسمية تضع الدكتور فاوتشي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس قبل سنوات قليلة، في قفص الاتهام المباشر شريكاً في تمويل الأبحاث التي اطلقت شرارة الجائحة، وقائد “مؤامرة تعتيم” كبرى لتضليل العالم… ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأميركيين حوّلها فاوتشي لتمويل أبحاث ما سمّي “كسب الوظيفة” الفيروسية شديدة الخطورة داخل معهد ووهان الصيني، وهي الأبحاث نفسها التي يؤكّد تقرير المرأة الشجاعة اليوم أنها تسبّبت في التسرّب المخبري الكارثي. وفوق تهمة التمويل، يوجه التقرير إلى فاوتشي صراحة تهمة “الكذب تحت القسم” أمام الكونغرس والتواطؤ مع قيادات مسيّسة داخل أجهزة الأمن لفبركة تقارير مضلّلة دائرية، فصّلت عمداً وبعناية لإسقاط فرضية المختبر وشيطنة أي صوتٍ يربط بين الفيروس ومصدر التمويل الأميركي.

في تلك السنوات العصيبة التي كان العالم يُحصي فيها أعداد ضحايا كورونا/ اللغز وخسائر الاقتصاد الناجم عن الإغلاقات الكبرى، كانت حربٌ شرسة تجري خلف الكواليس كشفتها الوثائق، شنّت ضد العلماء والمحلّلين، إذ تعرّض كاشفو الفساد داخل مجتمع الاستخبارات للتهديد والإقصاء وإنهاء الخدمة لمجرّد محاولتهم كشف الحقيقة التي كان الناس العاديون أيضاً يبحثون عنها، لعدم اقتناعهم بما كان يحدث ويرافق بسيل من التصريحات والتحذيرات للجم العقول والألسن عن طرح الأسئلة المشروعة والمنطقية. تقول تولسي غابارد بحدّة وحزم “لقد انتهى زمن التستّر”، وإنّ رفع السرّية انتصار للشفافية المطلقة وتعرية لشبكة نفوذ تلاعبت بالحقائق لحماية قيادات توصم بالفساد ومصالح كارتيلات الأدوية الكبرى على حساب ملايين الأرواح.

رمت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية السابقة فعلاً قنبلة الحقيقة المخيفة، فيما يُفترض أن الدكتور فاوتشي يتمتّع بعفو رئاسي استباقي أصدره لصالحه الرئيس السابق جو بايدن قبل مغادرة منصبه في يناير/ كانون الثاني 2025، لحمايته من أي محاكمات أو ملاحقات قضائية… وهو السؤال الكبير اليوم بعد زلزال غابارد: هل سيحاسب أم سينفد بجلده بالتمترس خلف عفو رئاسي؟

تجيب شهادة غابارد على أسئلةٍ غير قليلة، وتؤكّد شكوكاً كثيرة لدى من استرابوا وكانوا على صواب، إلّا أنها تطرح مزيداً من الإشكالات، بعضها خطير وجدير بدراسات نفسية وأخلاقية وقانونية لا بدّ أن تنجز بعد هذه الهزّة وارتداداتها. أول إصابة تحقّقت بعد تبيان جزء كبير من حقيقة كورونا كانت ضد مفهوم “نظرية المؤامرة”، والذي بات في العقود الماضية يشهر في وجه من يحاول فهم المسائل من خارج “الرواية الرسمية”، ويدقق في انسجام عناصرها وفي توقيتها والتفاصيل التي يسأل عنها ولا يردّ عليها، إلى درجة أن بعض من قدّموا طرحاً مختلفاً لحيثيات ظهور كورونا مدعوماً بحجج وأدلّة، تلقّوا تهديدات أغلبها مجهول المصدر… واليوم، وقد ثبتت صوابية التشكيك في حدث حصد حياة الملايين، ستكون مهمّة إقناع الناس بشيء مشابه مستقبلاً، مهمّة شبه مستحيلة، حتى ولو كلّف بها أشخاص ذوو مصداقية، ومن أهل الاختصاص، لا تبدو لهم مصلحة خاصة في أداء المهمّة ومخاطبة الناس… هانتا، نيباه، إيبولا، فيروسات الساعة التي لو ذكرت ونوقشت في دوائر النقاش الحامية في الإعلام والمؤتمرات، كما حدث قبلاً، لارتعدت منها الفرائص كما فعلت كورونا في الناس، وهي تكبر وتنتشر وتنشر الذعر وتغير الحياة من حولهم. ولكن يبدو أنّ “اللقاح” الذي أجبر عليه المصابون بها وغير المصابين أكسبهم مناعة ضدّ أمور أخرى: كيف تمتنع عن المساهمة في صناعة البعبع، ولا تتجاوب مع محاولات إثارة الهلع الفيروسي.

تضع شهادة تولسي غابارد في دائرة الاستفهام كذلك مسألة أخلاقيات البحث العلمي ومخالفة المبدأ الأساسي في “قسم أبقراط” الذي يلزم الطبيب/ الباحث بحماية البشرية وتجنّب الأذى المتعمّد. ورغم حملة الدفاع عن الدكتور فاوتشي بتأكيد عدم وجود دليل قاطع يثبت أن الجائحة نتجت عن عمل بشري متعمّد، إلّا أن صورة العالم- الباحث المتحالف مع السياسيين النافذين وأجهزتهم أصابها شرخ من الصعب تقويمه. زادتها سوءاً الآثار الجانبية للقاحات على صحّة ناسٍ عديدين توفّوا أو تعكّرت حالتهم، وكانوا قبلها مؤمنين بأنهم آمنون في “حِمى حرم العلم والطب”، وليس من المستغرب اليوم أن نسمع من يقول إنه لن يسلّم جسده مرّة أخرى للقاح ولو على جثّته.

وتتعلق المسألة الأخلاقية الأخرى بالرئيس الذي منح عفواً رئاسياً “استباقياً” لمن يعتقد على نطاق واسع أنه موّل فيروساً قاتلاً من أموال دافعي الضرائب المنهكين، وتواطأ ضد صحة ملايين الناس وحياتهم ثم روّج لقاحات حقّقت أرباحاً طائلة تجاوزت حاجز المئة مليار دولار، استفادت من نسبة كبيرة منها زمرة بقيت تراقب موجات الموت من برج عاجٍ محصّن. فمن يستحقّ العفو؟ وما هي المعايير التي يصبح العفو بمقتضاها مستحقّاً ومقبولاً؟ ومن يحقّ له إصدار العفو؟ في هذا السياق وما شابهه، يبدو العفو الرئاسي تماماً كحقّ الفيتو، حركة تدوس على المنطق والأخلاق وعلى حق الآخر، ولكنها تحدُث.

وأخيراً وليس آخراً، وعلى الرغم من شجاعة تولسي غابارد التي دفعت بهذه الشهادة التاريخية وهي على وشك مغادرة منصبها الرفيع (مستقيلة أو مدفوعة إلى الاستقالة) تستمرّ معضلة كشف المسؤول الحقيقة بعد نهاية خدمته، أو ردّ فعل على خلاف أو قرارٍ طاوله وأثّر في مسيرته المهنية وطموحاته السياسية، وقبل لحظة حدوثها تكون قد اكتملت بسببها مآسٍ لأشخاص آخرين ومجموعات بشرية ودول أخرى… نذكر رئيس الحكومة البريطانية الأسبق، توني بلير، عن حرب العراق، وقبله الرئيس الأميركي التاسع والثلاثين جيمي كارتر وعملية “مخلب النسر” في أزمة الرهائن في إيران عام 1980، ووزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت مكنمارا عن التدخل العسكري الأميركي في حرب فيتنام، ومسؤولين عرب أيضاً عن قرارات اتُّخذت في فتراتٍ مفصليةٍ شديدة التعقيد ووخيمة العواقب.

يكرّم الطبيب والعالم والباحث، ويحتفى بهم لأنهم العيون والعقول التي تحرس صحة الناس وحياتهم وسلامتهم، ويؤتى بالسياسيين، ويمنحهم الناخبون أصواتهم ليتّخذوا أفضل القرارات وينتهجوا أفضل السياسات من أجلهم. ويفترض أن تسهر أجهزة الأمن، بشتى فروعها، على أمنهم في مفهومه الشامل، ويلجأ إلى القانون، لأنه الفيصل بين المتخاصمين والمتقاضين، وهو سور الدفاع الأخير عن حقوقهم الأرفع والأكثر منعة. وعندما تختلّ واحدةٌ من هذه الوظائف، يختلّ التوازن العامّ وتتلقى الثقة والمصداقية ضربة في مقتل وتسري الحيرة والخوف تحت وطأة السؤال الملحّ: من يستحقّ حقاً أن نفوّضه أمرنا ونأتمنه على سلامتنا؟ تختزل اعترافات تولسي غابارد هذه الصورة وتترك السؤال الأخير معلّقاً… وقد خفّف توقيتها من زخم تداولها وضيّق هامش الجدل الذي كانت ستثيره، لو أنها حدثت في ظروف مختلفة عن ظرف الحرب على إيران والخلاف غير المسبوق بين البيت الأبيض وتلّ أبيب، إلّا أنّ ما لم يغب هو إعجاب متجدّد، رغم كل السوابق، بأنّ في أميركا مسؤولين شجعان وذوي نزاهة قادرين على كشف الحقيقة ومصارحة الجمهور ووضع حياتهم في دائرة الخطر من أجلها.

نعم، أميركا التي تأتي منها الحروب، ومنها تنطلق شرارة الصراعات، وتذهب إلى أبعد نقطة في العالم لتأخذ ما تريد، هي نفسها أميركا التي يقلب فيها مسؤولون الطاولة على الجميع، ويكشفون الأسرار الخطيرة وبالأسماء، ويذهبون بشيءٍ من “راحة الضمير”، مقولة “أن تأتي متأخّراً خير من ألّا تأتي أبداً” لم تعد تشفي الغليل، فقد قيلت قديماً في زمن بطيء، حيث الحقيقة حكر على قلّة قليلة ضمن دائرة مغلقة. أما اليوم فالوقت أسرع والرهانات والخسارات والضحايا أكبر ومصادر الحقيقة وسبل الوصول إليها وكشفها باتت خارج نطاق سيطرة أي أقلية مهما ادّعت من قوّة. …”انتهى زمن التستّر” يصلح أن يصبح شعاراً كونيّاً، فوريّ المفعول.

مقالات ذات صلة