
الإذاعة بين الأمس والغد هل ينجو الراديو في عصر الذكاء الاصطناعي؟
بقلم المهندس/ زياد عبد التواب
حين اخترع ماركوني الراديو قبل أكثر من قرن، لم يكن يتخيل أن ذلك الصندوق الصغير سيصبح أحد أكثر وسائل الإعلام تأثيرًا في التاريخ، فالراديو سبق كلاً من التلفزيون والفضائيات والإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وكان لسنوات طويلة هو الوسيلة الأسرع لنقل الأخبار والموسيقى ورسائل التحذير بين الجيوش والقوات والأساطيل، وكذا أيضًا نقل الأفكار إلى ملايين البشر.
وكما نرى ونلمس التغيرات المتسارعة في استخدام واستحداث واستبدال تقنيات بأخرى، نجد أنه من الضروري ومن المنطقي أيضًا أن نتساءل: أين تقف الإذاعة اليوم؟ وإلى أين ستتجه؟ وهل ستكون قادرة على المنافسة في عالم تسيطر عليه الخوارزميات والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي؟
وفي محاولة للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من النظر إلى الأرقام، لأن الأرقام عندما تكون معبرة عن واقع ويتم تحليلها بصورة علمية ومنطقية وحيادية فإنها تقدم الكثير وتدحض الآراء الانطباعية أو المنحازة إلى فريق دون الآخر.
على أية حال، تشير التقديرات العالمية إلى وجود عشرات الآلاف من محطات الراديو التقليدية العاملة عبر موجات FM وAM والموجات القصيرة حول العالم. بعض الأدلة العالمية الخاصة بأدلة المحطات والإحصاءات الدولية تشير إلى وجود ما يزيد على 44 ألف محطة إذاعية تقليدية نشطة، وحتى لا نختلف على الإحصائية ومدى حداثتها أو دقتها أو شموليتها – بالرغم من أنها صادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات ITU – ففي جميع الأحوال فإننا نتحدث عن صناعة ما زالت تضم عشرات الآلاف من المحطات المنتشرة في جميع القارات تعمل بنفس الأساليب التقليدية بالأساس، بالإضافة إلى – وليس دائمًا – تواجد رقمي لها سواء بصورة كلية أو جزئية لبث المواد على الهواء أو مسجلة.
أما على الجانب الرقمي، فقد شهدت السنوات الأخيرة انفجارًا حقيقيًا في عدد المحطات والمنصات الإذاعية عبر الإنترنت، فبعض المنصات العالمية تجمع أكثر من 100 ألف مصدر صوتي ومحطة وإذاعة رقمية من مختلف أنحاء العالم، بينما توثق دراسات أكاديمية وجود ما لا يقل عن 70 ألف محطة إنترنت نشطة يمكن تتبعها وتحليل محتواها بصورة منتظمة.
وهذا يعني أن العالم الرقمي لم يُلغِ الإذاعة، بل ضاعف عددها وأعاد تشكيلها في صورة جديدة، ولكن الأهم من عدد المحطات هو عدد المستمعين، وهنا تحدث المفارقة الكبرى، فالكثيرون يعتقدون أن الراديو يحتضر، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
ففي الولايات المتحدة ما زالت الإذاعة التقليدية تصل أسبوعيًا إلى نحو 85% من البالغين في الفئة العمرية بين 25 و64 عامًا، وهي نسبة تفوق العديد من الوسائط الأخرى. وفي المملكة المتحدة يستمع نحو 50 مليون شخص إلى الراديو أسبوعيًا، وهو ما يمثل غالبية السكان البالغين تقريبًا. كما أن بعض الدراسات الحديثة تشير إلى أن الراديو ما زال يحتفظ بقدرة استثنائية على الوصول الجماهيري رغم المنافسة الشرسة من المنصات الرقمية.
وإذا كان ذلك كذلك، فأين يكمن الاختلاف؟
الحقيقة أنه في محاولة للاستنتاج نجد أننا إذا بدأنا بالبحث في طريقة الاستماع بناءً على مستجدات العصر وظروفه الحياتية المتعددة التي تؤثر على المستمع، فإن هذا المدخل قد يكون مناسبًا لتفسير كل شيء.
ففي الماضي كان المستمع يحتاج إلى جهاز راديو مستقل بدأ كبيرًا ثم وصل إلى عصر الترانزستور فأصبح في حجم كف اليد، واستمر في الصغر ووصل إلى التكامل مع أجهزة أخرى كساعة اليد أو راديو السيارة. أما اليوم فأصبح الهاتف الذكي والسماعة الذكية والتطبيقات الرقمية هي الوسيط الأساسي.
ولذلك نجد أنه في بريطانيا على سبيل المثال قد تجاوزت بعض أشكال الاستماع الرقمي نسب الاستماع عبر موجات AM وFM التقليدية، وأصبحت نسبة كبيرة من ساعات الاستماع تتم عبر الإنترنت والسماعات الذكية.
أي أن المشكلة ليست في الإذاعة نفسها، بل في وسيلة الوصول إليها، فالشاب الذي يستمع إلى محطة إذاعية عبر تطبيق على هاتفه لا يشعر أنه يستخدم الراديو بالمعنى التقليدي، رغم أنه يفعل ذلك فعليًا.
ولذلك فإن كثيرًا من الإحصاءات التي تبدو وكأنها تعكس تراجع الإذاعة هي في الواقع تعكس انتقالها من البث الأرضي إلى البث الرقمي.
وهو أمر سيتفاقم ويتزايد مثلما يتزايد النشاط البشري بصورة عامة في العالم الرقمي مقارنة بالعالم التقليدي.
فجيل زد وُلد في عالم الإنترنت، أما جيل ألفا فقد وُلد في عالم الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، وهؤلاء لا ينتظرون مذيعًا ليختار لهم الأغنية التالية، بل اعتادوا أن تقترح عليهم المنصات ما يحبونه بدقة مذهلة.
ومن هنا تظهر الأزمة الأساسية للراديو التقليدي، فالإذاعة الكلاسيكية تقوم على مبدأ “المحتوى الواحد للجميع”، بينما تقوم المنصات الرقمية على مبدأ “محتوى مختلف لكل فرد”، وبين الفلسفتين مسافة هائلة.
لكن رغم ذلك، لا يزال الراديو يمتلك نقاط قوة يصعب استنساخها.
أولى هذه النقاط هي البث المباشر، فالإنسان بطبيعته يحب الشعور بأنه يشارك الآخرين اللحظة نفسها، ولهذا تستمر الإذاعات الإخبارية والرياضية وبرامج التفاعل المباشر في جذب جمهور واسع.
وثانيها الثقة، ففي عصر الأخبار المزيفة والمحتوى المصنّع آليًا واستخدام الذكاء الاصطناعي في التزييف العميق لكل شيء، ما زال كثير من المستمعين ينظرون إلى المؤسسات الإذاعية العريقة باعتبارها مصدرًا أكثر موثوقية من المحتوى المنتشر عشوائيًا على الإنترنت.
أما ثالثها فهو العنصر البشري، فحتى أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطورًا لا تستطيع حتى الآن أن تحاكي بصورة كاملة ذلك الشعور الذي يصنعه مذيع محبوب ارتبط المستمع بصوته لسنوات طويلة.
قل لي عزيزي القارئ: بماذا تشعر عندما تستمع إلى مذيع يتحدث باللغة العربية أو العامية ثم في منتصف الحديث تجده قد أخطأ في نطق كلمة أو أكثر ببساطة لأنه برنامج من برامج الذكاء الاصطناعي وليس مذيعًا من البشر أخطأ وصحح خطأه؟
هل تشعر بالتواصل مثلما هو الحال مع البشر؟
أترك لك الإجابة، وأعرف أنها قد تختلف إن كنت من الأجيال الجديدة، ولكن دائمًا “الطبيعي يكسب”.
ومع ذلك فإن الذكاء الاصطناعي لن يترك صناعة الإذاعة كما هي.
فخلال السنوات القادمة سنرى محطات كاملة تُدار جزئيًا بواسطة الذكاء الاصطناعي، حيث سيقوم الذكاء الاصطناعي بإعداد النشرات، واختيار الموسيقى، وتحليل اهتمامات الجمهور، وتخصيص الإعلانات، وتقديم بعض الفقرات الصوتية أيضًا.
وقد بدأت هذه التحولات بالفعل في عدد من الأسواق العالمية.
فبدلاً من أن تكون هناك محطة واحدة تخاطب ملايين الأشخاص، قد تصبح هناك آلاف النسخ الذكية من المحطة نفسها، بحيث يحصل كل مستمع على تجربة مختلفة تناسب اهتماماته وسلوكه وعمره وموقعه الجغرافي.
بمعنى آخر، قد يتحول الراديو من وسيلة جماهيرية عامة إلى وسيلة جماهيرية شديدة التخصيص.
وهنا يكون السؤال التالي: هل ستحتفظ الإذاعة باسمها التقليدي أم ستحتاج إلى مسمى آخر مناسب للنمط الجديد الذي يقوم بتحليل الذائقة والاحتياجات وتخصيص المحتوى لكل مستمع أو مجموعة من المستمعين؟
في جميع الأحوال، ربما يكون الاسم هو ما سيتغير، أما الجوهر فسيبقى كما هو، فالإنسان ما زال يحب الاستماع أثناء القيادة والعمل والمشي وممارسة الرياضة، والصوت يظل الوسيط الوحيد القادر على مرافقة الإنسان دون أن يسرق عينيه أو يفرض عليه التوقف عما يفعله.
لهذا يبدو أن مستقبل الإذاعة لن يكون صراعًا بين الراديو والإنترنت، بل اندماجًا بينهما، ولن يكون صراعًا بين المذيع والذكاء الاصطناعي، بل تعاونًا بينهما.
المهم أن يبدأ هذا التعاون بعد الإيمان به، ثم تحويله إلى خطوات تنفيذية، والتخلص من التشبث بماضٍ جميل غير مناسب للحاضر وللمستقبل إلا إذا تطور مثلما يتطور الزمن.
أتمنى أن يكون العرض مناسبًا للنشر أو المراجعة النهائية.



