من النكسة إلى حرب غزّة: الوعي بالهزيمة

مهند مبيضين

حرير- بعد نحو ستة عقود على النكسة التي هزمت فيها إسرائيل عدة جيوش عربية في ستة أيام، وبعد أن ظلت تلك الجيوش تعد الجماهير بالتحرير والنصر، ظل السؤال مفتوحاً عن نظرة العرب إلى النكسة، هل كان ثمة وعي كافٍ بها؟ ثم كيف تشكلت نظرتهم إليها؟ وما حدودها وما صورها التي التقطت في الأدب والتاريخ والفكر؟

في الساعة 9:50 صباح الاثنين الخامس من يونيو/ حزيران 1967 قطعت إذاعة القاهرة البث، لتعلن أن قوات إسرائيل بدأت تهاجم جمهورية مصر العربية، وأن القوات المصرية تصدت للعدو. وقالت الإذاعة: “… وتصدّت لهم طائراتنا واسلحتنا المضادة للطائرات..”، وناشدت أخوة الحرب في سورية والأردن أن يزحفوا على إسرائيل وأن يدمروا الصهيونية.

في المقابل، كانت إذاعة العدو الإسرائيلي أسبق في إذاعة الخبر، فقد صدر عن تل أبيب أول نبأ عاجل (فلاش) لوكالة الصحافة الفرنسية الساعة 7:24: “هاجم المصريون هذا الصباح بالدبابات والطائرات إسرائيل جنوبي البلاد…”. هذان السطران على الآلة الكاتبة كانا كفيلين بإثارة الضوضاء في مكاتب الإعلام العالمي، لتتوالى الأخبار عبر الإذاعات والصحف العالمية: الـ”فرانس سوار” تخرج بمانشيت عريض على صفحتها الأولى: “مصر تهاجم إسرائيل”، وإذاعة “أوروبا واحد” تعيد الراوية الإسرائيلية دقيقة بدقيقة، وفي الساعة الثامنة تعيد النشرة الثانية من إذاعة أوروبا الخبر: “إذ ثبت أن القوات المصرية هي التي بدأت بالهجوم فذلك سيفرض بدون شك تحقيقاً…”. وهكذا سيطرت الرواية الإسرائيلية طوال نهار الخامس من حزيران، فيما القاهرة تأخرت عن الإعلان حتى التاسعة صباحاً. ووجدت الكذبة الإسرائيلية طريقها إلى الرأي العام العالمي، ولا تزال.

جرت مراجعاتٌ كثيرة للنكبة الأولى والنكسة، وبُرِّرَت النكبة بأنها صدمة مباشرة لما بعد الاستقلال، أو في وقت لم يكن فيه رِبق الاستعمار قد حلّ عن العرب بعد بما يمكنهم من بناء جيوشهم. أما النكسة، فقد تمت مساءلتها على يد المفكر العربي محمد جابر الأنصاري، الذي خلص إلى أن ثمة اتفاقاً على أنها جاءت بانكسار الروح، وجعلت المواطن العربي حائراً بين قائد أحبه وهزيمة أنكرها، وفي القائد كانت المشكلة.

وإذا كانت إشكاليات الوعي التاريخي العربي في عصر النهضة قد انطلقت من مقولة علميّة ترى أن الرؤية العلمية المعاصرة للتاريخ العربي لا تعني استحضار ماضي العرب الذهبي لتوظيفه في الزمن الراهن، كما يرى المؤرّخ اللبناني مسعود ضاهر، أي في زمان غير زمانه، بل تعني حاجة عرب اليوم إلى الاستفادة من دروس التاريخ العربي، فإن أبرز ما ميّز خطاب التاريخ (الذي يقدم الحقائق كما هي، وليس ما قدمه أهل الفكر والخاص بزمن النكسة) ابتعاده عن العظات والعِبَر، واقترابه من واقعية الحدث وتحليل أسبابه وربطه بها.

ويمكن للقارئ في مدوّنات تاريخ النكسة أن يفصل بدقة بين تأريخٍ واعٍ مارسه مؤرّخون منضبطون تقيّدوا بالمنهجية العلمية فبحثوا أسباب الخلل، ومن ذلك نموذج علي محافظة ونقولا زيادة. وهناك تاريخ “منفلت” متفلسف، بحسب تعبير زيادة، قدّم النكسة في سياق التأثّر بالأيديولوجيا والموقف الفكري الذي حكم المؤرخ أو عالم الاجتماع، أو الفكر الذي أراد ممارسة تجاه التاريخ، ومن ذلك تجربة صلاح الدين المنجد وصادق جلال العظم وأديب نصور.

ومع أن المؤرّخ “المحترف”، ومعه “المفكّر المؤرخ” لم يتّجها نسبياً في عملهما إلى السعي لإيقاظ الماضي وإعادة إحيائه وبعثه، إلا أن الاستخفاف بالحقيقة التاريخية السياسية في زماننا تبدّى بجلاء في الدول التي تحتكر حقوق الفرد، وهي للأسف دول الأيديولوجيا والأحلام الكبرى، وهنا، فأي مكان للتاريخ في حياة المواطن العربي تجاه أزماته ونكساته؟

تبدو أهم آثار النكسة في التاريخ المعاصر بارزة في ظاهرتين: الأولى: الاندفاعة والاستفاقة الإسلامية، وهذه كُتب عنها كثيراً، فيما تمثّلت الثانية بالفكر الجديد، وهو فكر الهزيمة، إذ انتعشت بعد النكسة الدعوات الثقافية في البلاد العربية إلى إحياء عصور منقرضة من التاريخ الفرعوني أو الفينيقي أو البابلي، وامتدّت هذه الدعوات إلى اللغة، في محاولة لإحياء اللهجات المنقرضة، وبالتالي العودة للعيش في أمجاد الماضي.

ولعلّ هذا مثار غرابة، فبينما وحّدت الهزائم الشعوب التي انتفضت وعملت على تقوية بنيانها، مثل اليابان وألمانيا، فإنها عربياً، بعد عشر سنوات على الهزيمة، قادت إلى أن تمنح أكبر دولة عربية العدو الصهيوني شرعية الوجود في اتفاقية كامب ديفيد. والأكثر غرابة أنه في موازاة مسيرة السقوط الكبير من 5 يونيو/ حزيران 1967م إلى 5 يونيو/ حزيران 1982، تبرز أمامنا إشكالات الوعي بالهزيمة وتقديرها. فبعد ستة أسابيع من الانسحاب الإسرائيلي من سيناء تجسيداً لمعنى السلام المصري – الإسرائيلي – الأميركي، كان الاجتياح الصهيوني للبنان والمقاومة الفلسطينية يصوغان الوجه الآخر لهذا السلام، الذي لم يحقق إلا الأمان لإسرائيل.

رأى المؤرّخون وأهل الفكر أن هزيمة 1967 أتت بموجة استفاقة إسلامية، وأن موجة أخرى تبعتها بعد حرب لبنان الطائفية عام 1975، وأنها انفتقت عام 1979 بعد الثورة الإسلامية في إيران، ويبدو أن تلك الرؤية لم تربط النتيجة بالأسباب السوسيولوجية والثقافية في سؤال ما بعد 1967 و1975م و1982، وصولاً إلى 2003، وانتهاء بحرب تموز 2006 ووصولاً إلى 7 أكتوبر (2023). ولم تفلح هذه الرؤية كثيراً في تفسير قدرة المثقف العربي والإنسان المعاصر بعد كل هزيمة مدوية وحرب أهلية ضروس في تحويل الهزيمة إلى انتصار كبير أو تخريج الهزيمة إلى انتصار موهوم.

بعد النكسة جاءت كارثة كبيرة ما زالت آثارها حاضرة، وهي حرب أو اجتياح بيروت 1982، وهي أزمة ما زالت فاعلة في لبنان، التي تعود إسرائيل لها في الراهن إلى قلعة الشقيف برمزيتها الكبيرة وذاكرتها البطولية.

ويعود النقاش، عن “7 أكتوبر”: حرب غزّة، أو طوفان الأقصى، الذي يحتاج معاينة نقدية شافية، ذلك أن نتيجته الكارثية على أهل غزّة أوسع هولاً وفداحة من النكبة والنكسة مجتمعتين. وهذه المراجعة غير ممكنة ما دام هناك حرّاس للدين والوطنية والمستقبل أو حتى حالة إنكار للنتائج التي أتت بها الحرب على الإنسان الفلسطيني.

ختاماً، خلص الراحل نقولا زيادة ذات محاضرة في الجامعة الأردنية في مارس/ آذار 1994 بعنوان:” دور المؤرّخ في المجتمع العربي” إلى أن أهم أسباب الهزيمة العربية طوال القرن العشرين المؤدية إلى التردي الذي عاشه العرب “يكمن في الطغيان السياسي وانسداد آفاق الحرية الفكرية التي كانت تبرز في تصرفات الحكام، وفي الفكر والشارع اللذين يهيمن عليهما حرّاس الكهنوت”. وللأسف، من النكبة ومروراً بالنكسة، وصولاً إلى “7 أكتوبر” ثمّة إصرار عربي على عدم الوعي بالهزائم والإفادة الحقيقية من دروسها، لا بل إن كثيرين ممن هيمنوا على الشارع أقنعوه بأن الانتصار حدث أو كان وشيكاً لولا المؤامرة أو تأخّر إسناد الحلفاء، وذلك تحديداً ظهر في حرب غزّة التي رأى بعضهم أن إسناد إيران لو تمّ فعلياً لحدث النصر المنتظر، مع أن غزّة فعلياً صمدت بجهاد أهلها تحت القصف أكثر من إيران في حربها الراهنة التي لم تدم أكثر من شهرين، لكن السؤال: هل كانت حرب غزّة ضرورة ومدروسة بشكل كافٍ؟ هذا يجب الانشغال به وتفسيره.

مقالات ذات صلة