ترامب وامتحان التاريخ

كتب سليمان المعمري

سليمان المعمري

لا يبدو أن ترامب تلميذ نجيب في مدرسة السياسة، فبعد أن رسب في مادة الجغرافيا بسبب إيران، ها هو في طريقه للرسوب في مادة التاريخ بسبب عُمان. لم يخبره أحد على الأرجح أنه حين كانت أساطيل عُمان البحرية تصول وتجول في المحيط الهندي وشرق أفريقيا، وتطرد منها إحدى أعظم القوى البحرية في ذلك الزمن: البرتغال، لم يكن العالم قد عرف بعد دولة اسمها الولايات المتحدة. غطرسة القوة هيّأت له أن نزواتِه ليست سوى أوامر واجبة التنفيذ، متجاهلًا أن أهمية الدول لا تكون بحجمها الجغرافي، ولا بغطرسة التهديدات، وإنما بما تختزنه من تاريخ تليد، وما تمتلكه من موقع فريد، وما يتراكم لديها عبر القرون من حكمة السياسة وبصيرة الشعوب.

أن يهدد ترامب بتفجير عُمان لا يعني لديَّ سوى أنه فقد ما تبقى لديه من إدراك سياسي، إن كان قد تبقى شيء، بعد فشله في قراءة تعقيدات المشهد الإيراني، وتورطه في لغة القوة مع خصوم لا تُدار أزماتهم بالاستعراض. ذلك أن عُمان عُرِفت دائمًا بالحكمة والاتزان، وببذل الجهد الكبير لإطفاء الحرائق التي يُشعِلها ترامب وبلاده في المنطقة، وقد تلقت على ذلك كثيرًا من الشكر والامتنان من ترامب نفسه أحيانًا، ومن أسلافه من رؤساء أمريكا أحيانا أخرى. دعونا نعود مثلا عاما إلى الوراء، حين استضافت مسقط في أبريل 2025، المحادثات الأمريكية الإيرانية، وشكر فيها ترامب جلالة السلطان هيثم بن طارق على استضافة أول اجتماع مباشر بين واشنطن وطهران، وعبّرت إدارته حينها عن امتنانها العميق للسلطنة على دعمها تلك المبادرة. ولطالما شكرت أمريكا عُمانَ بسبب إيران، وهنا يمكن أن أعود عشر سنوات أخرى إلى الخلف، وتحديدا في 17 يوليو 2015، أي بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الاتفاق النووي النهائي مع إيران في فيينا، حين وجّه جو بايدن؛ الذي كان نائبا للرئيس أوباما آنذاك، الشكر لجلالة السلطان قابوس رحمه الله على دور عُمان في تسهيل هذا الاتفاق؛ وهو الاتفاق نفسه الذي سيلغيه ترامب بجرة قلم في واحدة من نزواته السياسية بعد أقل من ثلاث سنوات.
وإذن؛ فقد كانت عُمان دائما، الدولةَ التي يمكن طرق بابها حين تتورط أمريكا في أزماتها، وتحتاج إلى وسيط يعرف كيف يتحدث مع خصومها دون أن يفقد احترام حلفائها. ويحق لنا أن نفخر أن بلادنا ظلت دائما مَنْفَذًا للحكمة وسط غبار السياسة واحتدام الخصومات. وترامب ذاته قال في بيان صدر عن البيت الأبيض في الحادي عشر من يناير 2020، بعد يوم من وفاة السلطان قابوس -رحمه الله – إن السلطان الراحل جلب السلام والازدهار إلى بلاده، وإنه كان صديقًا للجميع، وإن جهوده في الحوار والسلام علّمت الآخرين أهمية الاستماع إلى جميع وجهات النظر. ألم يكن ذلك التصريح اعترافًا أمريكيًا بالقيمة السياسية والأخلاقية التي اكتسبتها عُمان في منطقة يغري كثيرًا من قادتها صوتُ المَدافع أكثر مما تغريهم طاولة الحوار؟!
إن تهديد ترامب يرينا نفاقه في أوضح صورة: يمدح عُمان حين تكون طوق نجاة ينقذه من مغامراته الطائشة، ويمتدح قادتها حين يحتاج إلى وساطتهم، ويشكر السلطنة -عبر إدارته – حين تساعد في الإفراج عن أمريكيين احتجزهم خصوم واشنطن بسبب سياسات أمريكية رعناء، ثم يهددها بالتفجير حين لا ترضخ لنزواته، أو حين لا تدخل معه في مغامرة قد تشعل المنطقة كلها. وهو أمر غير مُستَغرب من رجل دخل السياسة من بوابة التجارة والصفقات، وأكثر ما يَفخَر به كتابه “فن الصفقة”، الذي لا نذيع سرًّا، أن شريكه في تأليفه (توني شوارتز) ندم على مشاركته في تجميل صورة تاجر جشع، بعدما رآه يتحول إلى خطر سياسي وأخلاقي على بلاده والعالم.
في هذا الكتاب الصادر أول مرة عام 1987، قدّم ترامب نفسه للعالم تاجرًا يفهم الحياة من زاوية واحدة: الربح والخسارة، والضغط والابتزاز، ورفع السقوف، وإحراج الخصوم، ثم انتظار التنازلات وهو واضع رِجلًا على رجل. هذه العقيدة نقلها ترامب بصفاقة من الأسواق العقارية إلى العلاقات الدولية، فرأيناه يبتز أوكرانيا ويطالب بثرواتها مقابل الدعم، ويهدد حلفاءه في «الناتو» إن لم يدفعوا أكثر، ويبتزّ المكسيك بالجدار والرسوم، ويعرض شراء جزيرة غرينلاند كأنها قطعة أرض معروضة للبيع، لا أرض تنتمي لدولة ذات سيادة.
المفارقة هنا أن بذاءة لسان ترامب لا تظهر أمام الجميع، بل هي انتقائية على طريقة: “أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ”. فهو أشجع ما يكون حين يطمئن إلى أن الطرف الآخر لن يرد عليه بالمثل: يهدد الدنمارك إذا لم تبع غرينلاند، ويصف رئيسة وزرائها مِتّه فريدريكسن بـ«الوقحة» حين رفضت الفكرة، ويتوعد بنما بالاستيلاء على قناتها، ويوبخ مراسلي الصحف والقنوات أمام الكاميرات، ويحوّل خصومه الداخليين إلى مادة للتندر في مهرجاناته الانتخابية. أما أمام القادة الذين يملكون القدرة على رد الإهانة بإهانة، أو تحويل الكلمة إلى كلفة سياسية وأمنية، فإن لسانَ ترامب يكون حصانَه. رأيناه مثلًا أمام فلاديمير بوتين في أكثر من لقاء وهو لا يجرؤ أن يقول شيئا يُغضب الرئيس الروسي، وشاهدناه يهادن الرئيس الصيني شي جين بينغ في لقائهما الأخير في مايو الجاري رغم أن “شي” خاطبه بلهجة حادة في ملفات حساسة. ورأيناه يبتلع ضحك قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة عليه بابتسامة مرتبكة يوم 25 سبتمبر 2018، حين افتتح خطابه بالتفاخر بأن إدارته حققت في أقل من عامين ما لم تحققه تقريبًا أي إدارة أخرى في تاريخ الولايات المتحدة، فانفجرت القاعة بالضحك، واكتفى هو بالقول: «لم أكن أتوقع هذه الاستجابة، لكن لا بأس». إنه لا يفقد السيطرة على لسانه دائمًا؛ يفقدها فقط حين يطمئن إلى أن الطرف الآخر لن ينزل إلى مستواه.
ومن الجيد أن المستوى السياسي العُماني الذي اعتدناه هادئا في خطابه، رصينا في مواقفه، متزنًا في ردوده، لم ينجرّ إلى لغة ترامب، ولم يرد على تهديداته بكلام، بل اختار ما يمكن عَدُّه تثبيتًا دبلوماسيًّا للموقف العُماني، لا ردًّا لفظيًّا مباشرًا، صدر عبر اتصال معالي وزير الخارجية بدر البوسعيدي بنظيره الإيراني، وتأكيده التزام عُمان بحرّية الملاحة في مضيق هرمز، وبمسؤولياتها السيادية وفق القانون الدولي. وهذا الموقف الهادئ هو امتداد لتقليد سياسي عُماني طويل لا يترك للانفعال اللحظي أن يصوغ سياسة بلادٍ بَنَتْ سمعتها على الإصغاء أكثر من الكلام، وعلى فتح الأبواب للجميع، وعلى بذل ما في وسعها لتجنيب المنطقة شرور الفتن وويلات الحروب. وقديما قيل إن من عرف قدر نفسه لم يستفزه جهل الجاهلين؛ فالصوت العالي لا يرفع مقام صاحبه، كما أن الصمت الرصين والترفع عن الدخول في مهاترات لا يُنقِص من هيبة الكبار.

سليمان المعمري
جريدة عُمان. عدد الأحد 31 مايو 2026:

https://www.omandaily.om/article/1203689

مقالات ذات صلة