ما تبقّى من رصاص في جعبة نتنياهو

معين الطاهر

حرير- أسبوع يفصل ما بين الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/ تشرين الأول عن الانتخابات النصفية الأميركية في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، وكلتاهما ستقرّران مصير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومستقبله السياسي، وطبيعة النصف الثاني من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما إذا كان حزبه سيحافظ على أغلبيته في مجلسَي الشيوخ والنواب أم سيفقدها، ما يعني بالضرورة أنّ كلّ خطوة يخطوانها، أو قرار يتّخذانه، بشكل منفرد أو مشترك، سيكون لهما تأثير بالغ في النتائج، ومن هنا سيزداد سعيهما إلى الحصول على صورة نصر قبل موعد هذه الانتخابات، ومواجهة تداعيات الحروب المدمّرة التي أوقدا شعلتها، وآثارها التي انعكست على العالم بأسره.

بعد أكثر من عامَين ونصف العام على بدء حرب الإبادة الجماعية في غزّة، ما زال نتنياهو عاجزاً عن الخروج بصورة نصر تتيح له تمديد ولايته، وتُبعد عنه شبح المحاكمة والسجن والعزل السياسي. تزداد حظوظه كلّما أشعل حرباً أو استمرّ فيها، على تعدّد صورها وأماكنها، في غزّة والضفة الغربية وسورية ولبنان واليمن والعراق وإيران والخليج، إذ يداعب أحلام المجتمع الإسرائيلي المنحدر أكثر نحو اليمين والفاشية، باقتراب الانتصار المطلق على “أعداء إسرائيل”. وما أن تخفّ وتيرة الحرب، وتبدو صورة النصر التي يريدها ما تزال بعيدةً، على الرغم من الإبادة الجماعية وفائض القوة التي يستخدمها، حتى يعاود الكرّة بعد توقّفٍ مؤقّتٍ، على أمل أن تكون النيران الجديدة أكثر ضراوةً، وأشدَّ تأثيراً، ويبدو أنّه سيستمرّ في هذا المنوال حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية التي يودّ دخولها وهو يتمنطق بأسلحته، ويضع على رأسه خوذة المقاتل، مرتدياً زيّه العسكري، وسترته المضادّة للرصاص. وهو يدرك أنّ خصومه السياسيين داخل المجتمع اليهودي لا يملكون سوى تأييد الحروب التي يخوضها، وتقتصر معارضتهم على بعض التفاصيل في الحياة السياسية الداخلية. ولعلّنا نذكر هنا خفوت الأصوات اليهودية المعارضة للحرب، وتتضح وحدة الموقف الإسرائيلي في ارتفاع نسبة التصويت التي تكاد تلامس الإجماع (إذا استثنينا أصوات أعضاء الكنيست العرب) على القوانين العنصرية مثل قانون إعدام الأسرى، وتسجيل الأراضي، والمشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية وغيرها.

يدرك نتنياهو الصعوبات التي تواجه الرئيس الأميركي لوقف الحرب، وتراجع تأثير اللوبي الصهيوني نسبياً عليه، بعد أن فشلت التقييمات الإسرائيلية حول طبيعة النظام الإيراني، والقدرة على إسقاطه، وتبيّن أنّ الحرب ليست تكراراً لتجربة فنزويلا، وتلاحقتْ الضغوط الداخلية والخارجية على الإدارة الأميركية، وحدّت من قدرتها على التورّط في حرب برّية، أو تدمير مصادر الطاقة، ذلك أنّ ثمّة استحقاقات مقبلة على ترامب أن يحسب حسابها بدقّة، تتمثّل في أزمة الطاقة العالمية، وتفاقمها مع كلّ يوم يمرّ، والانتخابات النصفية لمجلسَي النواب والشيوخ ولحُكّام الولايات، ونجاح كأس العالم، ومواجهة الضغط الخليجي – الأوروبي لوقف الحرب، ومعالجة علاقاته المتوتّرة مع روسيا والصين، ومع حلفائه في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

ما تزال ثمّة رصاصات في جعبة نتنياهو، وفي طليعتها دفع الولايات المتحدة لتدمير مصادر الطاقة الإيرانية وبنيتها التحتية، تحت ذريعة إضعاف موقف إيران التفاوضي، مروّجاً فكرته هذه بأنّ ذلك يمكن إنجازه عسكرياً خلال 24 ساعة. ويتعمّد نتنياهو تجاهل الحديث عن ردّة الفعل الإيرانية التي لا تخفى على كلّ لبيب. أمّا إيران، فكما هي استراتيجيتها منذ بداية الحرب، ستردّ بضربات على مصادر الطاقة في الخليج العربي، ولعلّ هذه هي القطبة المخفية في خطّة نتنياهو، إذ يحقّق هدفاً إضافياً يحتلّ أولويةً بين أهدافه، يتمثّل في الإضرار بمصادر الطاقة في الخليج العربي، فيفقد العرب بذلك الثروة والنفط والنفوذ والتأثير.

في غزّة، ومع استمرار الاغتيالات والقصف اليومي فيها، ثمّة رصاصة أخرى في جعبة نتنياهو باتت أكثر وضوحاً في مباحثات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ونيكولاي ملادينوف في القاهرة أخيراً، حين طالبت “حماس” بوقف الانتهاكات الإسرائيلية، وإتمام الالتزامات المتعلّقة بالمرحلة الأولى من الاتفاق، والانتقال إلى المرحلة الثانية، لتصطدم بالردّ الإسرائيلي الذي اشترط تسليم السلاح قبل الانتقال إلى تنفيذ أيّ بند، بما فيها الإغاثة والإعمار والانسحاب، وفي حال عدم تنفيذ ذلك، سيقوم الجيش الإسرائيلي بهذه المهمّة بنفسه، ما يعني استكمال احتلال قطاع غزّة، والعودة إلى حرب الإبادة الجماعية بأبشع صورها.

رصاصة ثالثة ما زالت في الجعبة، وهي الرصاصة المتعلّقة بلبنان، والحرب التي لم تتوقّف، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار في جبهة إيران. وهي رصاصة متفجّرة مخطَّط لها أن تنفجر في أكثر من اتجاه؛ فمن جهة، يسعى نتنياهو أن يطلق ترامب يده في الملفّ اللبناني، بعيداً عن النتائج التي يمكن أن يتوصّل إليها مع إيران، سواء أكان اتّفاقاً دائماً أم مؤقّتاً، أو أن يُستعاض عنهما بالحصار الطويل، والعقوبات المستدامة. ومن جهة أخرى، يستمرّ نتنياهو في الحرب والتدمير والتوسّع، مستفرداً بالجبهة اللبنانية، وساعياً إلى إدخال لبنان في أزمة داخلية عميقة، تُخلّ بالتوازن القائم فيه، وقد تجرّه إلى شبح الحرب الأهلية وتوتّراتها.

ما هو مطروح على النظام اللبناني أخطر من اتفاق 17 أيار (1983) الذي وُصف يومها باتفاق عدم اعتداء، ولم يتمكّن مُعدُّوه من تمريره، سواء لأسباب لبنانية داخلية، أو نظراً إلى الموقف العربي الرافض له. وقد لا تختلف الظروف الحالية كثيراً أيضاً، إذ إنّ أيّ اتفاق من هذا النوع لن يحظى بموافقة جميع المكوّنات اللبنانية، ما لم تُخضَع بالقوة، وهذا ما لم يتحقّق في الأشهر والأعوام الماضية، كما أنّ النظام العربي الرسمي ليس في وضع يمكّنه من تمرير اتفاق تطبيع جديد في لبنان، وثمّة أنباء عن ضغوط عربية رسمية على الرئيس اللبناني، لحمله على رفض دعوة ترامب للقاء نتنياهو في البيت الأبيض.

الرصاصات الثلاث التي سبق ذكرها هي ما سيحاول نتنياهو إطلاقه قبل الانتخابات، وقد يكون في جعبته قبل الانتخابات أيضاً أو بعدها، إذا فاز فيها، رصاصة أخرى، وهي تلك المتعلّقة بمشروعه في سورية، التي من شأنها أن تهدّد مصالح تركيا الاستراتيجية، وتجرّها، والمنطقة العربية بأسرها، إلى صراع أوسع. لكنّ ذلك كلّه قد لا يمنع من سقوط نتنياهو، نتيجة تحالف قوى اليمين الأخرى ضدّه، وتشكيل قائمة عربية موحّدة قد تحصد أكثر من 15 مقعداً في الكنيست. وإذا حدث هذا، وسقط نتنياهو، وتولّى الحكم نفتالي بينت أو يائير لبيد أو غادي أيزنكوت، أو تحالف بينهما، فإنّ السيناريو ومسرح العمليات لن يتغيرا، وإنّما سيتغيّر الممثّلون فحسب.

مقالات ذات صلة