
الهيمنة المؤجّلة… قراءة في صراع مفتوح
طلال أبو غزالة
حرير- لا ينبغي أن يصرفنا الانشغال بالتفاصيل اليومية للحرب الأميركية الصهيونية على إيران (على أهمّيته) عن السؤال الأكثر أهمية: ماذا سيتغيّر بعد أن تضع الحرب أوزارها. الحرب فعل شنيع، لكنّها في المقام الأول امتداد للسياسة، بما تُحدثه من تحوّل في موازين القوى، وإعادة تشكيل للتحالفات، ومن تحوّلات عميقة في وعي الشعوب ونظرتها إلى نفسها والعالم.
وعلى نحوٍ موازٍ، يذكّرنا الفيلسوف الألماني هيغل (1770 – 1831) بأنّ لحظات الصراع الكُبرى ليست سوى محطّات يُعيد فيها التاريخ ترتيب نفسه، لذا يُفقدها النظر إلى حرب أميركا والكيان بوصفها حدثاً عابراً في زمنه معناها الأعمق؛ فهناك، فيما بعد حيث تتبدّل الموازين وتُرسم معالم جديدة، يتحدّد الهدف الحقيقي لكلّ حرب. وأقول إنّ المشهد لا يبدأ من طهران ولا ينتهي عند “تل أبيب”، بل من مكان أبعد، من خرائط يُعاد رسمها على مكث، أي أنّها في ظاهرها تبدو حرباً إقليميةً، لكنّها في باطنها حملت ملامح صراع أوسع، أقرب إلى طبعة جديدة من حرب عالمية ثالثة. وقد يقول قائل لم يُعلن عنها بهذا الاسم صراحة، وهذا صحيح، لكنّها تحرّكت بمنطقه: تعدّد الجبهات وتشابك المصالح وتنافس على من يكتب قواعد المرحلة المقبلة.
لذا، لم تكن المواجهة اليوم تقليدية، بل كانت جزءاً من مسار بدأ في أوروبا مع الحرب في أوكرانيا وانتقل إلى الشرق الأوسط، وبدا أنّ خطوط التماس تتحرّك شرقاً، وأنّ الأنظار ستستقرّ عاجلاً أم آجلاً عند بحر الصين، حيث النقطة الأكثر حساسية في هذا القرن؛ أي تايوان. لكن قبل الوصول إلى هناك، دارت معركة على هوية الشرق الأوسط نفسه: مَن يملك مفاتيحه ويستخدمه ورقة تفاوض في لحظة إعادة تشكيل النظام الدولي؟ هنا تحديداً تتكثّف الحسابات، فهذه المنطقة، على الرغم من كلّ ما قيل عن تراجع أهميتها، لا تزال تختزن عناصر القوة القديمة، مثل الطاقة والممرّات الحيوية والموقع، وربّما أضيف إليها اليوم عنصر جديد هو موقعها في قلب الصراع بين القوى الكُبرى.
لا تتحرّك الولايات المتحدة بدافع أمني فقط، ولا يقاتل الكيان بزعم “وجودي مجرّد”. طبعاً الأساطير التوراتية حاضرةٌ في الصراع، لكنّها كانت جزءاً من المشهد، غير أنّ هناك طبقة أعمق من الحسابات… نعم، الاقتصاد عاملٌ حاضر، بل حاسم.
وإذا اتفقنا أنّه لا يوجد قرار عسكري بلا ظلّ اقتصادي، فإنّ إيران في هذه المعادلة ليست مجرّد خصم سياسي، بل جزء من شبكة الطاقة التي تغذّي الصين؛ المنافس الأكبر لواشنطن، والنفط هنا ليس وقوداً، بل أداة ضغط ومفتاح نفوذ. واشنطن أشبه بلاعب البولينغ الذي يوجّه ضربةً واحدةً بدّقة، لكنّها كفيلة بإسقاط أهدافٍ كثيرة دفعةً واحدة، أيّ أنّها تضرب أكثر من هدف. ضغطت على طهران نعم، لكنّها أيضاً تُرسل رسالة إلى بكين: خطوط الإمداد ليست آمنة بالكامل ومن يتحكّم بالممرّات، يتحكّم باللعبة، وهذه ليست مبالغةً، بل يمكن القول إنّها القاعدة التي حكمت صراعات القرن الماضي وعادت اليوم بصيغة أكثر تعقيداً. في المقابل، لا تقاتل إيران للدفاع عن نفسها فقط، بل لتحافظ على موقعها داخل هذه المعادلة، فهي تدرك أنّ خسارة هذا الموقع لا تعني تراجعاً إقليمياً فحسب، بل خروجاً من لعبة أكبر بكثير، ولهذا بدت المواجهة مفتوحةً قابلةً للتصعيد.
الحديث عن مفاوضات يحدث دائماً في مثل هذه الحروب، يُفتح بابٌ ثم يُغلق، تُعلن جولةٌ ثم تدفن. وفي التجربة الأوروبية القريبة على أبواب كييف مثلاً كانت هنالك مسارات تفاوضية، لكنها لم توقف الحرب التي تجاوزت عامها الخامس، والسيناريو مرشّح للتكرار هنا؛ هدنة قصيرة ربّما، وقد بدأ الأثر الاقتصادي للحرب يظهر على الجميع، وسيتفاقم أكثر فأكثر في إيران أولاً حيث الضغط يتدحرج، لكنّ الارتدادات لن تبقى داخل حدودها، وستشعر المنطقة كلّها بها، فهذا النوع من الحروب لا يبقى محلّياً في نتائجه، حتى لو بدأ كذلك في عناوينه. ثم هناك ما هو أبعد من الشرق الأوسط.
لذا أقول إنّ المرحلة التالية على الأرجح لن تكون هنا، فالأنظار تتجه نحو تايوان، فهي ليست جزيرة عادية، بل عقدة تكنولوجية تمسك بخيوط العالم الرقمي، وفيها أكثر من 90% من الرقائق الإلكترونية المتطوّرة، ومن يسيطر عليها لا يربح معركةً، بل يمسك بمفاتيح العصر، من الطائرة إلى الدبابة إلى الهاتف والسيارة، وكل ما يدور حولها. هنا يصبح الصراع أكثر وضوحاً وأكثر خطورةً، لم يعد فقط على الأرض أو الطاقة، بل على التكنولوجيا نفسها، أي أنّه صراع على من يملك المستقبل لا الحاضر فقط. في هذا السياق، بدا الشرق الأوسط مرحلةً، في مسار أطول، ليس النهاية، بل محطّةً استُخدمت فيها الأدوات المتاحة مثل الجغرافيا والحلفاء والضغوط الاقتصادية، والهدف في النهاية واحد: تحسين الموقع التفاوضي قبل الوصول إلى المواجهة الكُبرى.
قد يقول قائل: هل ما زلنا أمام حرب عالمية ثالثة، وأقول: الاسم قد يكون مختلفاً، لكن المؤشّرات متشابهة: تعدّد الجبهات وانخراط قوى كبرى وتشابك المصالح على مستوى الكوكب، غير أنّ الفارق الوحيد أنّ الحرب لم تعلن نفسها بوضوح هذه المرّة، بل تتقدّم على شكل أزمات متفرّقة يتصل بعضها ببعض بصمت. وأقول أيضاً علينا ألا نكتفي بقراءة الأحداث كما تظهر في الشاشات، والأصل قراءة ما خلفها، والربط بين الجبهات لفهم ما الذي يجمع كييف بطهران، وما الذي يربط الخليج بتايوان، فهذه ليست ملفّات منفصلة، بل فصول من قصّة واحدة تخبرنا أنّ العالم يتغيّر، لكن ليس ببطء، بل تحت وابل من النيران، ومن لا يقرأ التحوّل كما هو، فسيجده لاحقاً وقد فُرض عليه، من دون أن يكون واحداً من صنّاعه.



