كيف سيعيد ترامب أمريكا عظيمة مرة أخرى؟

عبد الحميد صيام

حرير- يكرر أنصار الرئيس ترامب في القنوات الفضائية الملتزمة بخط «إعادة أمريكا عظيمة مرة أخرى» (MAGA) شعارات تقول: «ألم لوقت قصير من أجل سعادة طويلة الأمد». والمقصود من الشعار الاصطفاف مؤقتا وراء الرئيس في حربه ضد إيران، بالشراكة مع نتنياهو والكيان الصهيوني من أجل راحة واستقرار طويلي الأمد.

ومن قراءة لتصرفات ترامب وتصاريحه المتواصلة، يبدو أن إعادة انتخابه لدورة ثانية رئيسا للولايات المتحدة أصابه بلوثة عقلية، اقتنع بأنه أعظم قائد في التاريخ، وأنه أقوى إنسان الآن على وجه الأرض، وأنه عبقري وملهم، وبدأ يعتقد مريدوه من المتدينيين الأنجليكيين أنه إنسان مقدس وقد شوهد مؤخرا وثلة منهم يتبركون به ويلمسون أياديه ووجهه وملابسه وكأنه المسيح المنتظر.

لا شك أن هناك فروقا كبرى بين مسلكياته في الدورة الأولى، وتلك التي يمارسها الآن في دورته الثانية. في الدورة الأولى اتخذ مجموعة خطوات عنجهية معظمها تتعلق بالعرب واستغلال ضعفهم وهوانهم، فقد اعترف بالقدس عاصمة موحدة دائمة للكيان الإسرائيلي وصمت العرب جميعا، بمن فيهم رئيس لجنة القدس، واعترف بالجولان جزءا من إسرائيل، ثم أصدر صفقة القرن لإنهاء القضية الفلسطينية، وجرّ أربع دول لمستنقع التطبيع. أما عسكريا فقام باغتيال قاسم سليماني في الأيام الأخيرة لولايته، وكان مجموع ما جرفه من أموال الخليج 600 مليار دولار فقط.

هذه المرة تمادى ترامب أكثر، ظنا منه أن الشعب الأمريكي أعاده للسلطة ليكمل ما بدأه في دورته الأولى، فتوسع في الإعلان عن طموحاته التي أنتجها غروره المطلق، والتي تجاوزت كل حدود المعقول. فهو يريد أن يستولي على قناة بنما ويستولي على جزيرة غرينلاند بالقوة، إن لزم الأمر، واقترح ضم كندا كولاية من ولايات أمريكا، والآن يريد أن يسيطر على مضيق هرمز للسيطرة على خطوط التجارة. هذه المرة لا يتورع عن التزوير وتشويه الحقائق وتبني إنجازات وهمية لا علاقة له بها، آخرها أنه هو من نصب الشرع قائدا لسوريا، الذي وصل للسلطة قبل تنصيب ترامب. وادعى أنه أوقف ثماني حروب ويصر على تكرار هذا الادعاء كالحرب الوهمية بين إثيوبيا ومصر والحرب بين باكستان والهند والتي أوقفها جنرالات الهند، التي تجرعت الهزيمة ففتحت خطا أحمر مع باكستان وأوقفت الحرب، والحرب بين كمبوديا وتايلند، كما ادعى أنه أوقف الحرب على غزة والإبادة لم تتوقف، بل امتدت لتشمل الضفة الغربية ولبنان، وادعى أنه أوقف الحرب بين رواندا والكونغو والحرب لم تتوقف.

كما أن الطامح في جائزة نوبل للسلام، أطلق شهيته للقتل والحرب، ليقوم بعمليات عسكرية في البحر الكاريبي وفنزويلا وغزة واليمن ونيجيريا والصومال وسوريا والعراق. وأعلن حربا مرتين على إيران. والمواجهات القادمة قد تكون في كوبا. ومن رعونة أفكاره، أنه أنشأ ما سماه «مجلس السلام العالمي»، ليضع العالم تحت قيادته، والانضمام للمجلس ليس مجانا بل بمبلغ مقداره مليار دولار (والإعفاء الوحيد لنتنياهو). وهذا المجلس يعده ليكون بديلا عن الأمم المتحدة، التي قطع مساهماته المالية عنها، وانسحب من العديد من منظماتها المتخصصة مثل اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ وفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وشيطن المقررة الخاصة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة مننذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيزي.

أساء للأصدقاء قبل الأعداء والطريقة التي حاضر فيها القيادات الأوروبية، لا يمكن وصفها إلا بقلة الأدب، خاصة سخريته من الرئيس الفرنسي ماكرون. ولم يجد أحدا يرد عليه إلا رئيس وزراء كندا أولا ثم رئيس وزراء إسبانيا. لقد اكتفى من الحلفاء بأكثر شخص مكروه في العالم مجرم الحرب نتنياهو، الذي أقنعه بدخول حرب على إيران ستحسم في الساعات الأولى وانظر النتائج الكارثية ليس على إيران فحسب، بل على دول الخليج ولبنان والعالم أجمع.

الوضع الداخلي في أمريكا

وماذا عن عظمة أمريكا المتجددة في عهد ترامب؟ نعم لقد زادت ثروات المليارديرات بما يعادل تريلوني دولار. لكن 60 في المئة من الشعب الأمريكي يعيشون على راتب نهاية الأسبوع، أو الشهر بانتظار الراتب القادم ونحو 40 مليون أمريكي من دون تأمين صحي. الأثرياء الكبار الآن يشترون الأصوات ويتحكمون في وسائل الإعلام بشكل شبه مطلق ويعتقدون أنهم قادرون على أي عمل، ويمكنهم التخلص من أي مساءلات قانونية كما هو الحال في ملفات إبستين. وهم لا يدفعون حصصهم العادلة من الضرائب. الأسعار لم تكن بهذا الارتفاع في الخمسين سنة الماضية. والأسواق المالية في حالة اضطراب والسوق العقاري يتهاوى والتضخم مرشح لارتفاع. الحريات الديمقراطية تراجعت في هذه البلاد وأصبح كل من يجاهر برأيه في معارضة ترامب، أو تأييد فلسطين، أو معارضة إسرائيل يتعرض للعقاب في عمله، أو موقعه، أو سمعته. ويقوم جهاز إنفاذ قوانين الجمارك والهجرة (ICE) بإرهاب الناس واعتقال الآلاف وطردهم من البلاد بطريقة همجية. وقد قام الجهاز بشبه احتلال لولاية مينيسوتا، وأطلق الرصاص وقتل اثنين. وقد اصطدم الجهاز مع السلطات المحلية في كاليفورنيا ونيويورك. كما اعتقل الجهاز أمريكيين لأنهم لحظة المداهمة لم تكن وثائق التعريف متوفرة وقد تم استجواب ثلاثة من هؤلاء في الكونغرس أمام وزيرة العدل بوندي.

أسعار النفط في تصاعد وتجاوزت 100 دولار للبرميل بنسبة زيادة تصل إلى 29 في المئة وهي الأعلى منذ عام 2022 وقد تؤدي إلى أزمة محروقات عالمية شبيهة بأزمة 1973 كما قال رئيس الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر: «بسبب حرب اختارها ترامب بتهور». وعندما سئل ترامب عن ارتفاع الأسعار قال: «إذا ارتفعت.. فلترتفع» وطالب شومر الإدارة بالإفراج الفوري عن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي. ويطرح ترامب على حزبه الآن مشروع «أنقذوا أمريكا» لتقييد التصويت في الانتخابات القادمة لمن يحمل بطاقة أمريكية، أو جواز سفر وصورة رسمية على الوثيقة بهدف سد الثغرات في تصويت الأمريكيين، الذين يتعاملون بالتوصيت البريدي أو ببطاقات ثبوتية أخرى. لقد بدا يشعر ترامب والحزب، أن الانتخابات النصفية القادمة لن تكون في صالح الحزب الجمهوري. وإذا استمرت نسبة معارضة الحرب التي وصلت إلى 59 في المئة في الارتفاع وزاد عدد الصناديق، التي تعود بجثث أمريكيين، فستشهد انقلابا انتخابيا في نوفمبر القادم يطيح بهيمنة الحزب الجمهوري ويفتح الطريق لإدانة ترامب وفتح ملفات إبستين كاملة لإدانته رسميا وطرده من البيت الأبيض.

حركة ماغا الآن تتشظى على الأقل إلى ثلاثة أقسام. وقد خرجت منها شخصيات مهمة جدا مثل المذيع الشهير تاكر كارلسون، الذي وصف قرار مهاجمة إيران بأنه «مقرف وشرير».

تحالف «ماغا» كان المقصود منه وضع مصالح أمريكا أولا، لكن الشعب الأمريكي يكتشف أن ترامب وضع مصالح إسرائيل أولا قبل المصالح الأمريكية. في خطاب الفوز وعد ناخبيه «لن أبدأ حربا وسأوقف الحروب». فكم استغفل ترامب أنصاره وألقمهم شعارات فارغة. الخلافات داخل التحالف العريض تدور حول قضية التدخلات الخارجية والحرب الحالية التي تستهلك مليار دولار يوميا، وتغليب مصالح إسرائيل على مصالح البلاد وإثارة الخلافات مع الحلفاء وطرد المهاجرين بطريقة فظة إضافة لإهمال الداخل الأمريكي.

ولا عجب أن نرى أكبر نسبة من الهجرة الخارجية من الولايات المتحدة، منذ سنوات «الانهيار الاقتصادي العظيم» قبل نحو 90 سنة، حيث وصل عدد الخارجين من البلاد عام 2025 إلى نحو 150000 وهو أكثر من عدد الداخلين بعد أن تبين للملايين أن أمريكا ترامب ليست الجنة الموعودة لكنها خاضعة لمجموعة إبستين من الأثرياء منتهكي حقوق الأطفال والمغتصبين للقاصرات والفاسدين. فإلى أي هاوية يقود ترامب هذه البلاد في السنوات الثلاث القادمة؟

مقالات ذات صلة