من سيحكم إيران بعد الحرب؟

مروان المعشر

حرير- مع استمرار الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، لا تزال المحصلة النهائية لهذه الحرب غامضة. فبين تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب الأولية، التي زعم فيها عدم نيته تغيير النظام الإيراني، وتصريحاته الأخيرة التي تماهى فيها مع الموقف الإسرائيلي الداعم لتقويض النظام الإيراني، بل تغييره، لا يبدو أن لدى الإدارة الأمريكية استراتيجية واضحة، ليس فقط لإنهاء الحرب، بل أيضا لإرساء السلام في المنطقة. ويبدو أن هذا التخبط يتجه نحو المزيد من العنف وعدم الاستقرار في المرحلة المقبلة.

يعلمنا التاريخ ما الذي يمكن أن يحدث في غياب استراتيجية مدروسة، أو إدراك واضح للخطوات التي ينبغي اتخاذها أو تجنبها إذا كان الهدف إرساء قواعد راسخة للاستقرار والازدهار في المنطقة، لكن قلة نادرة من الدول تتعظ بدروس الماضي.

لنأخذ عام 1991 مثالا صارخا على ذلك، ففي ذلك العام، وبعد أن بنت الولايات المتحدة تحالفا دوليا أخرج العراق من احتلاله للكويت، أدرك الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب آنذاك أن وجود قوات أمريكية وغربية في المنطقة تحارب دولة عربية، سيقابل باعتراض واسع من الشعوب العربية، لذلك أتبع حرب الخليج الأولى بجهد سياسي كبير هدفه احتواء هذه المشاعر، ومحاولة إنهاء التوتر الناتج عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وبناء على ذلك، قادت الولايات المتحدة ما أصبح يُعرف بعملية مدريد للسلام، حيث ضغطت على إسرائيل والجانب الفلسطيني، إضافة إلى الأردن وسوريا ولبنان، للجلوس حول طاولة المفاوضات، ومحاولة الوصول إلى حل شامل للقضية الفلسطينية. وبغض النظر عن إخفاقات هذه العملية لاحقا، فقد أوجدت، ولو لفترة قصيرة، شعورا بالأمل بإمكانية التوصل إلى حل سياسي للصراع. في الوقت نفسه، قررت الإدارة الأمريكية عدم التوجه إلى بغداد لتغيير النظام العراقي، ودعت الشعب العراقي إلى الثورة وتغيير نظامه بنفسه، تماما كما يدعو ترامب اليوم الشعب الإيراني للثورة على نظامه. وعندما اندلعت الانتفاضة في جنوب العراق، لم يجد الثائرون من يساندهم، فتمت تصفية أعداد كبيرة منهم على يد نظام الرئيس صدام حسين.

بقي صدام حسين في الحكم اثني عشر عاما بعد ذلك، إلى أن شنت الولايات المتحدة حربا جوية وبرية ضد العراق عام 2003، وتمت إطاحة النظام العراقي بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل، وهي حجة ثبت لاحقا عدم صحتها. وقد نتج عن حل الجيش العراقي وحزب البعث فراغ سياسي وأمني كبير، لا يزال العراق يعاني منه حتى اليوم. بمعنى آخر، فإن إضعاف الأنظمة، أو تغييرها من دون وجود خطة واضحة لما سيأتي بعدها يؤدي في كثير من الأحيان إلى الفوضى بدلا من الحرية. نعيش اليوم لحظة تشبه ما حصل في العراق عام 1991، لا لحظة مدريد 1991، إن أردنا استخلاص دروس ذلك العام. فبينما يريد الرئيس الأمريكي وضع شخصية موالية للولايات المتحدة والغرب على رأس النظام الإيراني، وبينما تدعم إسرائيل عودة نجل شاه إيران السابق إلى الحكم، يبدو هذا السيناريو أقرب إلى التمنيات منه إلى الواقع، فإيران ليست فنزويلا، لقد نجحت في بناء نظام يقوم على الحرس الثوري والمؤسسة الدينية، وهو نظام متجذر في الداخل الإيراني، هذا النظام لن يتغير بمجرد استهداف رأسه، فرغم قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بقتل عدد من القيادات الإيرانية، لا يزال النظام صامدا حتى الآن. وكما رأينا في عام 1991، فإن السيناريو الأرجح قد يكون بقاء النظام مع صعود شخصية من داخله لقيادة إيران، ضعيفة ومعزولة، تماما كما حدث في العراق بعد حرب الخليج الأولى.

لقد ارتكبت إيران خطأ فادحا عندما استهدفت ليس فقط منشآت عسكرية في دول الخليج العربي، بل منشآت مدنية أيضا، وهو ما سيقضي على أي فرص لتعايش خليجي ـ إيراني في المستقبل القريب، وسيزيد من عزلتها الإقليمية والدولية.

وبالطبع، لا يُعد هذا دفاعا عن النظام الإيراني، الذي بالغ في التدخل في شؤون المنطقة وقمع معارضيه في الداخل، بقدر ما هو دعوة للتعلم من دروس الماضي. فتغيير الأنظمة في غياب خطة واضحة لما بعدها يؤدي غالبا إلى الفوضى والاضطراب. وهذه أيضا ليست لحظة مدريد 1991. فليس لدى الرئيس الأمريكي خطة جدية لإنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولا يبدو أنه يملك الرغبة في إطلاق مشروع سياسي حقيقي لتحقيق ذلك. في المقابل، تمتلك إسرائيل خطة واضحة تقوم على إبقاء المنطقة منقسمة، والعمل على تحقيق أهدافها التوراتية بضم الضفة الغربية، والقضاء على أي فرصة لحل سياسي للقضية الفلسطينية. بعبارة أخرى، فإن الرابح الأكبر من هذه الحرب، ولو على المدى القصير، هو إسرائيل، التي تمتلك هيمنة عسكرية شبه مطلقة في المنطقة، لكنها تفتقر إلى مشروع سياسي يضمن قبولها بشكل مستدام في محيطها، خصوصا في ظل معضلتها الديمغرافية المتمثلة بوجود أغلبية فلسطينية داخل الأراضي التي تسيطر عليها.

وإذا كان ترامب يلمح إلى معركة قادمة في كوبا، فإن إسرائيل تسعى إلى نقل معركتها القادمة إلى الضفة الغربية، بهدف ضم الأرض الفلسطينية، من دون سكانها، ومحاولة التخلص من أكبر عدد ممكن منهم. ومع غياب رادع أمريكي أو عربي، قد تمضي إسرائيل في هذا المخطط بمنهجية وعنجهية.

أين المشروع العربي؟ أو على الأقل أين التحرك العربي لمواجهة كل ذلك؟ فالمنطقة لا تمر بمرحلة عابرة من التوتر، بل بلحظة تاريخية تجري فيها إعادة رسم موازين القوى وحدود النفوذ. إسرائيل تتحرك وفق رؤية واضحة لتكريس تفوقها العسكري وتحويله إلى مكاسب سياسية وجغرافية دائمة، فيما يكتفي العالم العربي بالتفرج وردود الفعل الباهتة. التاريخ يعلمنا أن الفراغ السياسي لا يبقى فراغا طويلا؛ إذ تملؤه القوى الأكثر تنظيما والأكثر تصميما على فرض رؤيتها، وإذا استمر الغياب العربي على هذا النحو، فلن يكون السؤال في المستقبل من يحكم إيران بعد الحرب، بل من يحدد شكل المنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة