
الحرب على إيران: “ولاية الفقيه” ليست بعدُ ضحية!
صبحي حديدي
حرير- ما لا تتداوله وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة خصوصاً ومراكز الشركات العملاقة العابرة للقارات في الغرب عموماً، أو تمتنع عن تناوله حتى في الحدود الإخبارية الدنيا، أو تتعمد إغفاله تماماً؛ هو هذا الجانب من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران: الأرباح الخرافية التي حصدتها للتوّ، أو سوف تجنيها تباعاً مع استمرار العدوان، شركاتُ النفط والغاز الطبيعي المسال الأمريكية، بمعدّل يبلغ 20 مليار دولار أمريكي شهرياً، في سنة قياس كانت تعد بأرقام أقلّ مغنماً بكثير، وأقرب إلى انكماش وانحسار وتقلّص.
ذلك لأنها، في استطراد منطقي أوّل، حرب إمبريالية تقودها واشنطن من موقعها الجيو ــ سياسي والصناعي/ العسكري/ التجاري؛ وتنخرط فيها دولة الاحتلال الإسرائيلي، وحكومة بنيامين نتنياهو تحديداً بوصفها الأشدّ يمينية وعنصرية وفاشية على امتداد تاريخ الكيان الصهيوني، والأعلى خضوعاً لإرادة هذا الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تحديداً. وهي، في استطراد ثانٍ لا يقلّ منطقاً، حلقة شرق ــ أوسطية، إيرانية في المقام الأوّل وخليجية في التداعيات والأضرار الجانبية، لأقسام ذات صلة نصّت عليها “ستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة”، التي أصدرها البيت الأبيض أواخر العام المنصرم 2025.
هي، في استطراد منطقي ثالث، حرب ضدّ الشعب الإيراني وبناه التحتية ومشافيه ومدارسه ومواقعه الحضارية والأثرية، استكمالاً لعقوبات اقتصادية بربرية تخنق المواطن الإيراني وتُقعد البلد، قبل أن تكون معركة تستهدف علوّ شأن محلي في التكنولوجيا النووية والصناعات العسكرية. وهي بالتالي لا تستهدف، إلا في مراتب لاحقة، نظامَ الملالي وآيات الله وأرواحه وحججه، ومنظومات عسكرية وأمنية وميليشياتية مثل “الباسيج” و”الحرس الثوري” و”فيلق القدس” وما يقترن بها من تنظيرات حول قمع احتجاجات الداخل و”تصدير الثورة” إلى الخارج عن طريق تشكيل أذرع الفصائل والحشود الموالية.
ولا يُستثنى استطراد منطقي رابع، حول بنود ثلاثة على طاولة جولات “التفاوض” الأمريكية ــ الإيرانية في مسقط وجنيف؛ بصدد برنامج طهران النووي، وتصنيع الصواريخ البالستية مختلفة الأمدية والرؤوس، والنفوذ الإيراني في المنطقة إجمالاً والعراق ولبنان واليمن خصوصاً. فهذه، وسواها مما خفي في ميادين الطاقة والأمن الإقليمي ومضيق هرمز والجوار الخليجي، ظلت محطّ أخذ وردّ خصامي/ تفاوضي في آن معاً، بين نموذج رئيس أمريكي من طراز باراك أوباما اختار تسهيل اتفاق “خطة العمل الشاملة المشتركة” لعام 2015، وآخر أمريكي على غرار ترامب شاء الانسحاب من الاتفاق بعد 3 سنوات فقط وأعاد فرض المزيد من العقوبات وصولاً إلى شنّ حرب مشتركة مع تابعه نتنياهو.
وفي سجلات تاريخ العلاقات بين واشنطن وطهران، حول البرنامج النووي تحديداً إذا أغفل المرء فصول الرهائن بعد ظفر الثورة الخمينية الإسلامية سنة 1979، وقبلها الإطاحة بحكومة محمد مصدق سنة 1953 بشراكة بين الاستخبارات الأمريكية والبريطانية؛ فإنّ أولى أحجار الأساس في المشاريع النووية الإيرانية شاركت في إرسائها الحكومة الأمريكية ذاتها، وعدد من الحكومات الأوروبية، تحت مسمى برنامج “الذرّة من أجل السلام”!
ومن حلّ الأبحاث النووية إلى استئنافها، بفتوى من الخميني في الحالتين؛ وتوسيع نطاقات تخصيب اليورانيوم، بعد وفاة الخميني سنة 1989 في ظلّ تشدد الولي الفقيه الجديد علي خامنئي؛ تحوّل البرنامج النووي الإيراني إلى مصدر قلق أمريكي وأوروبي، تغذّيه رهابياً دولةُ الاحتلال الإسرائيلي، ذاتها التي يحدث أنها القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط. وانقلب الشدّ والجذب في التفاوض حول مستويات التخصيب وآفاق بلوغ مرحلة إنتاج القنبلة النووية، إلى مهاد مواجهات عسكرية متعاقبة، كانت أحدث فصولها حرب الـ12 يوماً في حزيران (يونيو) الماضي، والحرب الراهنة المستعرة اليوم، مع ثبات في طرفَي العدوان الأمريكي والإسرائيلي، ورسوخ لطبيعته الإيديولوجية الإمبريالية ــ الصهيونية.
وأمّا من جانب سلطة الملالي الثيوقراطية الحاكمة في إيران، فإنّ للنظام حصته غير الضئيلة في توفير الذرائع أمام هذه الحرب، حتى إذا كانت لا تحتاج أصلاً إلى ذريعة؛ وليس في الجانب الخاصّ ببنود “التفاوض” الثلاثة إياها فقط، بل كذلك لأنّ هيمنة التيارات المتشددة والمحافظة في أعلى هرم منظومة الحكم قهرت مطامح الشارع الشعبي، وخنقت التطلعات المشروعة إلى الإصلاح، وبددت ثروات الشعب الإيراني على هستيريا تشكيل أذرعة الولاء والتبعية في لبنان والعراق وسوريا واليمن. وهكذا، في اختصار جائز، كانت معارك الاستبداد في الداخل بمثابة وقود لاشتغال حروب الخارج.
ولعلّ المفردة المركزية هنا، التي تعمل بما يشبه كلمة السرّ العظمى، هي مبدأ “ولاية الفقيه” التي يتمتع بها المرشد الأعلى، وتنطوي على صلاحيات استثنائية خرافية، لا أصل لها في الفقه الشيعي ذاته، ولا في أيّ من مذاهب الإسلام على اختلافها وتنوّعها. ومع اغتيال علي خامنئي (خلال الساعات القليلة الأولى لابتداء الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية الأخيرة!)، وما سبقه من قرارات المرشد الأعلى ذاته حول تكليف أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني بمسؤوليات قصوى في إدارة البلاد، وتأخّر (أو هو تعثّر؟) انتخاب مرشد يخلف خامنئي؛ يصحّ طرح التساؤل عن مآلات مبدأ ولي الفقيه، لجهة الإبقاء أو تخفيف الصلاحيات أو حتى الطيّ التدريجي.
وهذا، في أوّل المطاف كما في نهايته، مبدأ صاغه الإمام الخميني على استعجال سنة 1971، حين كان منفياً في مدينة النجف العراقية، وخضع منذ البدء لنقاشات وسجالات شارك فيها واتفق أو اختلف عليها عدد كبير من فقهاء الشيعة. الثابت، مع ذلك، أنّ خامنئي هو الذي كان أشدّ المدافعين عن المبدأ، وأبرز المتمسكين بالنصّ عليه في الدستور، بل وتشديد صلاحيات الوليّ الفقيه المنصوص عنها حالياً، وتوسيع ميادين تطبيقها؛ لأسباب لم تكن تخصّ الفقه والشريعة، بقدر ما تُبقي على ميزان القوّة في صفّ السلطة الدينية، على حساب السلطات المدنية.
فكيف يمكن الحديث عن صلاحيات ملموسة لهذه السلطات الأخيرة، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية ذاتها، إذا كان في يد الوليّ الفقيه تسمية أعضاء مجلس المرشدين، ومجلس القضاء الأعلى، ورئاسة القيادة العليا للقوات المسلحة (وضمن هذه الصلاحية ما يلي: تعيين أو عزل رئيس الأركان، وقائد الحرس الثوري، وأعضاء مجلس الدفاع الأعلى، وقادة صنوف الأسلحة)، وإعلان الحرب والسلام والتعبئة، وإقرار أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية أو استبعاد هذا أو ذاك، وإدانة وعزل الرئيس الجمهورية بموجب أسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية، وإصدار مختلف أنواع العفو؟
بل لقد حدث مراراً أن بعض الفقهاء، أو رجال الحكم المسخّرين في خدمة سلطات الوليّ الفقيه، ذهبوا أبعد مما ينبغي في تفسير المبدأ؛ كما حدث حين اعتبر آية الله أحمد أزاري ــ قمّي، وكان واحداً من كبار شارحي فكر الخميني، أنّ بين صلاحيات الوليّ الفقيه إصدار “منع مؤقت” لأداء فرائض دينية، وفي وسعه أن يأمر بهدم بيت المسلم، أو أن يأمره بتطليق زوجته. وكتب يقول، بالحرف: “ليس لدى الولي الفقيه أية مسؤولية أخرى غير إقامة نظام الحكم الإسلامي، حتى لو اضطره ذلك إلى أمر الناس بالتوقف مؤقتاً عن الصلاة والصيام والحج، أو حتى الإيمان بالتوحيد”!
وبينما يسقط مئات الإيرانيين الأبرياء ضحايا العدوان الأمريكي ــ الإسرائيلي، وتواصل شركات الطاقة الأمريكية تكديس مليارات إضافية من أرباح مضرّجة بالدماء، يواصل مبدأ ولاية الفقيه تعطيل الإصلاح وتحرير الاقتصاد وانتشال الإيراني من غائلة التشدد والمسغبة والحصار والقصف؛ لأنه ليس بعدّ ضحية العدوان، بل لعله شريك ضمني فيه!



