لبنان في أكثر من حرب

يقظان التقي

حرير- هي أكثر من حرب تهدف إلى تدمير حزب الله بالكامل، تجلب معها المزيد من الدمار والفوضى، وينجرّ إليها لبنان في سياق الحرب الإسرائيلية على إيران، إذ يعاود حزب الله الكرّة في المواجهة والوقوع في كمين استراتيجي، بمعزل عن إرادة السلطة الشرعية بالحياد، وتجاوزاً لرأي غالبية أصوات اللبنانيين، التي لا ترى في “حرب الإسناد” لإيران رادعاً للكيان الصهيوني المحتلّ في تصعيده العسكري. وليس بعيداً عن صرخات اللبنانيين، سيّما منهم النازحون من مناطق الخطر الإسرائيلي جنوباً ومن البقاع، ومن كلّ ما قد يحيط بهذه المغامرة من عدوان إسرائيلي مستمرّ، مع جميع الضربات الإجرامية والعنف والقتل واستباحة الأراضي، ويدفع لبنان الثمن الباهظ.

محنة تقود اللبنانيين إلى واقع مأساوي جديد بعد أزمات عالقة منذ 2019، وفي وقت كانت فيه حكومة بيروت تواجه الضغوط الاقتصادية وتعمل على استقرار الأوضاع الاجتماعية ومعالجة القيود التي يواجهها الجيش في مهامه لإحراز تقدّم في حصر السلاح، مراهنةً على براغماتية الحزب في مواجهة خيار حرب ترقى إلى مستوى الانتحار.

لم يقدّر الزعماء اللبنانيون أهمية الدولة التي شيّد مؤسّساتها الجنرال فؤاد شهاب، وسلّمها بعده للرئيس إلياس سركيس. فدخل البلد في مصعد الأزمات المتلاحقة، فلم يخرج تطبيق اتفاق الطائف في 1991 البلد بالممارسة السياسية إلى المعنى السياسي واحترام الدستور، في أوضاع تخلّلتها حرب أهلية واحتلالات ووصايات، فتوزّعت السلطات بين طوابق طائفية ومذهبية، وفي بيزنطية لبنانية فاقعة بين الأغنياء والفقراء، في غياب دولة ديمقراطية تحمي مصالح المواطنين مع استحالة المحاسبة، أو التعامل مع قوى ومجموعات طائفية ذات سيادة أقوى من الدولة نفسها، ما فاقم أوهامها ورهاناتها على الخارج، ومنها الدور الإيراني وأثره منذ العام 1983.

وهناك كثيرون ممَّن يعتقدون أنّ قرار الحرب اتّخذته إيران بالنظر إلى سيطرتها على الهيكل العسكري للحزب، وهو امتداد لقوّتها، وليس بالتذرّع بنظرية الانقسام الداخلي داخل أجنحته. القشّة الأخيرة بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية، ولرئيس مجلس النواب رئيس حركة أمل نبيه برّي الذي يشعر بالخيانة بسبب الوعود التي لم يوفِ بها الحزب الذي يعتبر الدفاع عن إيران أولوية. وهو أكّد أنه سيمتنع عن الدخول في حرب مدمّرة، مستسلماً لضغوط القادة اللبنانيين بشأن مصير البلد، كما هو الحال بشأن فقدان دعم المجتمع الدولي لإعادة إعمار الجنوب. لذلك، جاء إعلان لبنان الحظر الفوري لنشاط حزب الله العسكري، وإلزامه تسليم سلاحه، ليطوي مسألة شرعية هيكلية حزبية مسلّحة ذات طابع عقائدي وإقليمي كانت السلطات الأمنية اللبنانية على علم بها منذ سنوات من دون أن تفعل شيئاً، فزُجّ لبنان في منعطفات خطيرة، ووُضع مرّات في خطوط اشتباك، ليس آخرها إعلان الحزب ردّه الدفاعي على غطرسة الاحتلال، وثأراً لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في طهران.

مع انفجار الأوضاع، عادت الأمور في لبنان إلى ما قبل وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وتبدو البلاد عالقةً في مزيد من الأزمات المعقَّدة: تراكم أصوات تريد التخلّص من حزب الله، مسألة جدّية الحكومة في تنفيذ القرارات، والقلق من اضطراب الأوضاع الأمنية الداخلية، وتدهور أوضاع الناس المعيشية، وعدم قدرة الحكومة على استقراء الغد. فتصطدم الطموحات بإعادة البناء والإصلاح والإنقاذ بالفوضى الشاملة والتصعيد بحرب مفتوحة، وهذا ليس نهائياً، فالرهان على “عقلانية” الحزب كان مثالياً متأخّراً ومتخيّلاً. وفي الوقت الذي خرج فيه مجلس الوزراء بقرار رفع الغطاء السياسي وسحب الشرعية منه ومساءلته قانونياً، كان الأخير يرسل رسائله الصاروخية المفتوحة على احتمالات أخرى يستخدم فيها قوته الأمنية بلا حدود. والواضح فيها انفصاله الكامل عن الواقع اللبناني بكلّ تعاسته.

ولا تنحصر المشكلة هنا، بل تتعلّق بسقوط الرهان على جدّية الحزب، ورتابة التكرار في تقليد اتُّبع ما بعد اتفاق الطائف (1989). ولم يُعطِ إشارات كان يحتاجها الحكم في إعلان تحوّله إلى حركة سياسية، وتخلّيه عن سلاحه ومناهضته الشرعية، والاستخفاف بأرواح الناس، ما ينذر بتداعيات داخلية ويعطي إشارات لصدام داخلي. ولعلّ أخطر ما يواجهه لبنان في هذه المرحلة ليس المعركة السياسية والعسكرية ومجرياتها، بل التداعيات التي تسعى إسرائيل إلى فرضها لاحقاً، على غرار الاجتياح الإسرائيلي 1982، في فرض الوصاية الأمنية والسياسية والعسكرية، واستغلال الفوضى وانقسام اللبنانيين لإبقاء الجنوب مسرحاً لعملياتها. تقتل أبناءه وتهجّرهم وتدمّر عمرانهم، وتهدّد الكيان والوجود، فالناس النازحة نحو مناطق آمنة سرعان ما تعود خوفاً على بيوتها وقراها، وجهاً لوجه مع مصيرها المجهول، إذ تصرّ إسرائيل على فرض معادلة جديدة: عدم إخلاء سكّان المستوطنات الشمالية، وتستبدل ذلك بإخلاء القرى اللبنانية (نحو 150 قرية ومدينة من عمق المنطقة).

وهي تريد فرض وقائع جديدة على الأرض في الجنوب والبقاع، ما يضع حزب الله في وضع دفاعي مبرّر، من دون معرفة حقيقة استعداداته وعتاده. هذا في وقتٍ يتزايد الضغط الأميركي على تنفيذ الحكومة لإجراءاتها، وفي إطار سعي الإدارة الأميركية إلى استغلال حربها ضدّ إيران لحرمان الحزب من كامل قوته وموارده الرئيسة وحركة عملياته الخارجية.

احتمال تدهور الأوضاع أكثر نحو الأسوأ قد يعرقل الطريق أمام عمل حكومة نوّاف سلام واستقرارها ومبادرات رئيس الجمهورية جوزاف عون التوفيقية. ويبقى الجيش اللبناني هو الملاذ الأخير في مواجهة شبح الفوضى واعتباره ضمانة احتكار الدولة للسلاح. كان ذلك على مسافة قريبة من انعقاد مؤتمر الدعم الدولي في باريس في 5 مارس/ آذار الجاري، وجرى تأجيله بما كان قد يحمله على مستوى دعم المؤسّسة العسكرية لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. وتصعب رؤية كيف سينفّذ الجيش مهمته هذه ما لم يتعاون معه الحزب، كيف وهو يعلن عن تصدّيه لقرارات السلطة في مرحلة لا تشبه ما قبلها.

مع ذلك، لم يعد بمقدور السلطة السياسية ممارسة سياسة الغموض، فجاء موقفها متأخّراً في ظلّ ضغط واشنطن باتجاه إجراءات تنفيذية ليست سهلة وإطار تفاوضي مباشر خارج عمل “الميكانيزم”، وفي مواجهة خطّة إسرائيلية تمثّل توسيعاً خطيراً للصراع العسكري، تطيح فكرة إحياء اتفاقية الهدنة 1949 وتأمين نوعٍ من الاستقرار بانتظار التسوية السلمية الإقليمية الكبرى. في المقابل، تفعيل إيران عمل أذرعها قد يشير أيضاً إلى تضاؤل المبادرات المتاحة، وقد لا يشير إلى قوة خيالية، ما يقود إلى إرباكات أكثر وتجاوز للخطوط الحمراء وواقع صعب مزعزع للاستقرار في لبنان، مع نموذج قد يكون انتهى من الدعم العربي والدولي للسيادة اللبنانية في وقت تواجه دول الخليج العربي عدوانية إيرانية غير مبرّرة، وحيث لا مساعدات مالية بعد الآن، لا سيّما في غياب إجراءات حاسمة تتخذها حكومة نوّاف سلام لوضع السلاح الشرعي في محلّ واحد. علماً أنّ الأخيرة حاولت أن تفعل ما يمكنها فعله في إعادة تسليح الواقع بأخلاق بناء الدولة الحديثة، وتصويب مسارات إصلاحية، والاتفاق على تفعيل عمل وثيقة الطائف بضمانات حقيقية تستمدّ شرعيتها من شرعية الدولة، والتنظيم الجغرافي لتعدّدية مجموعة طوائف ذات سيادة، أقرب إلى الواقع والتاريخ الأليم.

مقالات ذات صلة