رسالة الحرب: المسلمون ممنوعون من صناعة عسكرية متقدمة

حسين مجدوبي

حرير- يتم تداول مجموعة من الأخبار والتقييمات والتأويلات، حول أسباب اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران الجارية حاليا، على رأسها فشل المفاوضات حول المشروع النووي لطهران، غير أن المعطى الواقعي والعنوان المناسب هو «أيها العرب والمسلمون لن تحصلوا على الطاقة النووية، ولن تصنعوا سلاحا متطورا».

والمتتبع لتطور الموقف الأمريكي في المفاوضات مع إيران، سواء على المستوى الثنائي أو الجماعي، بشأن المشروع النووي الإيراني، يلاحظ التحولات المستمرة في جوهر المطالب التي يسعى البيت الأبيض إلى فرضها على طهران. فقد انطلقت المفاوضات في بداياتها حول مراقبة عملية التخصيب، لضمان عدم إنتاج سلاح نووي، أي التحكم في نسبة تخصيب اليورانيوم. غير أن هذه المفاوضات تطورت لاحقا إلى ما يشبه المناورة السياسية الهادفة إلى فرض سلسلة من الشروط القاسية والمذلة، من بينها الإشراف المباشر والفعلي من الخارج على نسب التخصيب، وصولا إلى المطالبة بإنهاء القدرات العسكرية الإيرانية، خاصة برنامج الصواريخ الباليستية، بل تقييد مدى هذه الصواريخ بما لا يتجاوز 300 كيلومتر. وها هي فرنسا وبريطانيا وألمانيا تعلن ليلة الأحد في بيان جماعي المشاركة في الحرب تحت ذريعة القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية.

قد يظن كثيرون أن هذه الشروط تهم إيران وحدها، غير أن استحضار عدد من الوقائع السابقة والراهنة، يكشف أنها جزء من سياسة أوسع ترمي إلى حرمان الشعوب العربية والإسلامية من تطوير صناعة عسكرية متقدمة، قادرة على تغيير موازين القوى. وبذلك يراد من كل هذا تكريس سيناريو جيوسياسي لا يخدم مصالح الكيان الإسرائيلي، ولا يتعارض مع حسابات ما يمكن وصفه بالدولة العميقة في الغرب، التي تعمل على إبقاء التفوق العسكري النوعي، مقتصرا على حليفها في المنطقة إسرائيل، الأداة الرئيسية التي تلعب وظيفة ضرب الاستقرار في الماضي والحاضر ومستقبلا، حتى تبقى شعوب المنطقة متفرقة وتبحث عن الحماية الأجنبية.

ارتباطاً بهذا، كان المجتمع الدولي يدرك إلى حدّ كبير أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل بالمعنى الذي روّجت له القوى الغربية، ومع ذلك تم شن الحرب عليه سنة 2003، وانتهت بتصفية عدد من علمائه أو استقطابهم، وتدمير كل ما تبقى من مشروعه في مجال الصناعة الحربية. فالسبب العميق لم يكن ذريعة أسلحة الدمار الشامل، بل نجاح العراق قبل ذلك في تطوير صواريخ متوسطة المدى نسبيا آنذاك، استهدفت عام 1991 عمق الكيان الإسرائيلي، في حين لم ينجح نظام باتريوت في اعتراض سوى جزء من تلك الصواريخ، رغم الدعاية الكبيرة لفاعليته. عند تلك اللحظة، جرى قرار غير معلن بتفكيك الصناعة العسكرية العراقية، وجاءت أخطاء الرئيس صدام حسين الفادحة وقيادته، التي كانت قد بدأت بغزو الكويت لتسهّل تنفيذ هذا القرار وتُسرّع عملية الإجهاز على القدرات الاستراتيجية العراقية.. وبدورها، تساهم أخطاء القيادة الإيرانية في تكرار السيناريو من الاعتداء على المطالبين بالديمقراطية، إلى عدم التفاهم مع الدول المجاورة، بل قصفها في هذه الحرب، مما سيزيد من تعميق الجراح بين الشعوب.

قبل أيام قليلة من اندلاع هذه الحرب، لم يلتفت كثيرون إلى خبر شديد الأهمية، في مظهر آخر لكيفية تغييب الأخبار الحاسمة، بفعل التبعية الإعلامية السائدة للغرب. يقول الخبر، إن واشنطن مارست ضغوطا كبيرة على العربية السعودية لمنعها من المضي في صفقة لاقتناء مقاتلات صينية من طراز «JF‑17»، وكذلك لثنيها عن المشاركة في تمويل تطوير المقاتلة التركية «كآن»، هذه الأخيرة التي تسمى الآن «المقاتلة الإسلامية»، نظرا لإبداء عدد من الدول الإسلامية المشاركة في تمويلها. ويعود رفض واشنطن لشراء المقاتلة الصينية، من جهة، إلى رغبتها في عدم تشجيع دول أخرى على اقتناء هذا الطراز لأن صفقات الأسلحة يترتب عنها انتشار النفوذ، ومن جهة ثانية إلى حرصها على إبقاء الترسانة الجوية السعودية ذات طابع أمريكي خالص، بما يضمن تحكم البنتاغون في برمجيات التشغيل وأنظمة التسليح كما تفعله مع الكثير من الدول. أما الاعتراض على انخراط الرياض في تمويل المقاتلة التركية، فيندرج ضمن منطق أشمل ويتعلق بمنع الدول العربية والإسلامية من بناء شراكات حقيقية في مجال الصناعات الحربية المتقدمة، لما يمكن أن يترتب على ذلك من تغيير في ميزان القوى بالشرق الأوسط على نحو لا يلائم حسابات القوى الغربية وحلفائها.

لقد تضاعفت إرادة ورغبة الغرب بمنع تطور صناعة عسكرية في العالم العربي والإسلامي بعد الدور الكبير الذي لعبته المسيرات والصواريخ الإيرانية في دعم روسيا في الحرب ضد أوكرانيا، ودور المسيرات التركية في دعم القوات الأوكرانية. لأول مرة، أصبح السلاح المصنوع من طرف أمم الجنوب، يتم استعماله في حرب وسط أوروبا، أي الحرب الروسية – الأوكرانية. وأدرك الغرب ما يحمله هذا من تغيير في ميزان العلاقات الدولية، إذا ما ذهبت أمم الجنوب بعيدا في مشروع الصناعة الحربية. فرغم ما يقال عن القانون الدولي والاتفاقيات الدولية، يبقى من يمتلك السلاح المتطور هو القادر على التأثير في العلاقات الدولية، والأمثلة كثيرة ليس فقط عبر التاريخ، بل من خلال السنوات الأخيرة. شنت روسيا الحرب ضد أوكرانيا ضاربة بالقانون الدولي عرض الحائط، وها هي واشنطن وبمشاركة قوية من الكيان الإسرائيلي يشنان حربا ضد إيران في خرق للقانون الدولي.

وهكذا، رغم التطورات الجارية في الشرق الأوسط من مواجهات بين السنة والشيعة وارتفاع مطالب الإثنيات، والصراع الدولي على منابع الطاقة، يبقى هناك معطى جلي وواضح من وراء الحرب الجارية ضد إيران وهي: لا دولة إسلامية بعد باكستان سيسمح لها بامتلاك السلاح النووي ولا تطوير صناعة عسكرية متقدمة. وها هو الحديث يجري وسط متشددين في الولايات المتحدة عن محاصرة تركيا بسبب تطورها العسكري وخطرها على إسرائيل، وها هو السفير الأمريكي لدى الكيان يدافع عن إسرائيل الكبرى، التي ستضم أراضي من دول عربية مجاورة. يؤكد لنا التاريخ أن كل شيء يبدأ بالتصريحات وينتهي بالتنفيذ العملي.

إنها مسألة صراع حضارات، وقرار تيار مسيحي – غربي قديم وانضاف إليه منذ قرن العامل الصهيوني، يشبه الدولة العميقة لهذا الغرب، تمتد جذوره إلى قرون، ولن نبالغ إذا قلنا الى سنة 1095، تاريخ انعقاد مجمع كليرمونت وإلى سنة 1215 مجمع اللاتران وإلى 1312 مجلس فيينا وتجمعات أخرى. إنها حرب حضارات كانت واضحة في الماضي، بينما الآن تتقمص «لباس» القانون الدولي، ومواجهة ما يسمى «الدول المارقة»، حيث تصبح كل دولة تتطور عسكريا خارج معايير وسيطرة الغرب «مارقة».

مقالات ذات صلة