
الحرب الأخطر على المنطقة
محمد عايش
حرير- تشكل الحرب الأمريكية الاسرائيلية ضد إيران محطة تحول جديدة في المنطقة، وهي بلا شك الحرب الأخطر، والتحول الأهم الذي تشهده المنطقة، وهذه تؤكد أن إسرائيل تعمل على تغيير المنطقة بأكملها، من أجل الهيمنة عليها، وأن كل ما يجري لا علاقة له بأحداث السابع من أكتوبر 2023، بل هو مشروع لتغيير شكل الشرق الأوسط بالكامل.
ربما يتساءل الكثيرون: ما الذي تغير منذ الصيف الماضي عندما اندلعت حرب الـ12 يوماً ضد إيران، حتى تعاود واشنطن وتل أبيب استئناف الحرب؟ وما الذي استجد في سبعة أشهر حتى تعود الحربُ مرة أخرى، على الرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن حينها بأن الحرب (أي حرب الـ12 يوماً) قد حققت أهدافها ودمرت المشروع النووي الإيراني وقضي الأمر؟ ما الذي تغير واستجد حتى تعود الحرب من جديد؟
الواقع أن إسرائيل وأمريكا لا تريدان القضاء على المشروع النووي الإيراني فحسب، وإنما ثمة مشروع آخر لا يتوقف عند هذا المستوى، بل إن المفاوضات بين طهران وواشنطن توسعت خلال الأسابيع الماضية لتخرج عن إطار المشروع النووي إلى الحديث عن مطالبات أمريكية تتعلق بملفات أخرى، لاسيما ملفي ترسانة الصواريخ الإيرانية، والدعم الايراني للحلفاء في المنطقة، وهو ما يعني أن واشنطن وتل أبيب تريدان دولة ونظاماً مختلفاً في إيران. ما حدث في المنطقة هو أن إسرائيل استفردت بقطاع غزة لمدة عامين، من أجل تدمير قدرات الحركات الفلسطينية، وتدمير البنية التحتية، التي يُمكن لأي فلسطيني استخدامها لاحقاً في القطاع، ثم بعد أن قامت بإنهاك القطاع وتحييده، انتقلت إلى الضفة الغربية، حيث قامت بإضعاف السلطة الفلسطينية وتدمير كل ما له علاقة بالفلسطينيين هناك، ثم بين هذا وذاك قامت بتوجيه ضربات أدت إلى إضعاف حزب الله في لبنان، ومنذ نهاية عام 2024 بدأت عمليات عسكرية مسكوت عنها وصامتة داخل الأراضي السورية، والتهمت من الأراضي السورية مساحات واسعة، فضلاً عن أكثر من 150 عملية توغل عسكري بري داخل سوريا خلال عام واحد، ما يعني أن الإسرائيليين ينتهكون السيادة السورية مرة واحدة كل يومين على الأقل.
بعد أن انتهت إسرائيل من تحييد الجبهات كافة، وهي جبهات كان من الممكن استخدامها في مساندة إيران، بدأت الحرب مجدداً ضد طهران، وبدا واضحاً أن استهداف كبار رموز النظام بالاغتيال، يعني أن الهدف الإسرائيلي الأمريكي يتمثل في إسقاط النظام وإحداث تغيير جذري في السياسة الإيرانية، من أجل تحويلها إلى دولة ضعيفة. كل ما يحدث في المنطقة يدفع إلى الاعتقاد بنتيجة واحدة لا ثاني لها، وهي أن إسرائيل تريد الهيمنة على المنطقة والاستفراد بها والتحكم فيها بشكل كامل، وهذا يعني أن العرب، بكل دولهم وتوجهاتهم، سيخرجون الخاسر الأكبر من هذا الصراع، وهذه التطورات، حيث أن انهيار إيران سيعني أن إسرائيل سوف تصبح المتحكم الوحيد في هذه المنطقة، وسوف تصبح الآمر الناهي فيها، وسوف تجعل دول المنطقة كافة تابعة لها. وهذا ما يُفسر إلى حد كبير الموقف الخليجي الذي كان وما يزال يرفضُ الحرب على إيران ويرفض إسقاط النظام في طهران، لأن دول الخليج تُدرك بأن نهاية إيران سيعني صعود إسرائيل إلى قمة الهيمنة على هذه المنطقة.
والخلاصة هي، أنه لم يتغير شيء منذ الصيف الماضي حتى تعاود إسرائيل وأمريكا استئناف الحرب ضد إيران، بل إن إيران تم إضعافها في حرب الـ12 يوماً، لكن الاسرائيليين لا يقبلون بوجود إيران ولو كانت ضعيفة، إنما هم يريدون الاستفراد بهذه المنطقة، ويريدون التهامها قطعة قطعة وشبراً شبراً، ويريدون الهيمنة عليها بالكامل، ويريد نتنياهو أن يكون الآمر الناهي والمتحكم الأخير، وهذا هو السبب الحقيقي وراء هذه الحرب.



