
باكستان وأفغانستان: معضلة باشتونية تفجيرية في بلدين
وسام سعادة
حرير- تطالب حكومة إسلام آباد بما يصعب أن تُقدم عليه قيادة “إمارة أفغانستان الإسلامية” من فك ارتباط بين طالبان – أفغانستان وبين طالبان – باكستان.
يصطدم الضغط لأجل فك الارتباط بالهالة المنسوجة حول الزعيم الروحي والقبلي للحركة في البلدين، الملا هبة الله، المقيم على رأس “مجلس الشورى” في قندهار، كما يثير مجرد التفكير في التخلي عن أخوتها على المقلب الآخر من الحدود – التي ترفضها الحركة أساسا – بأن يؤدي تعاونها مع الحكومة الباكستانية إلى انشقاق ونقمة عليها يغذي صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان.
مثلما تحمل حكومة إسلام آباد طالبان – أفغانستان المسؤولية عن تفجيرات وهجمات طالبان – باكستان، كذلك حكومة طالبان في كابل تتهم الاستخبارات الباكستانية بالتواطؤ مع داعش الخراسانية هذه. التنظيم الأخير يكفر الجهتين، ويتغذى من استفحال التوتر، وصولا إلى التصادم، بينهما. يبقى أن هناك فارقا أساسيا بين تنظيم الدولة – ولاية خراسان وبين حركة طالبان في كل من أفغانستان وباكستان. فتنظيم الدولة في تلك الأنحاء مخلّط إثنيا، بنسبة عالية من الطاجيك والأوزبك أضف للمنشقين عن طالبان. أما الحركة فنسيجها الإثني من قوم البشتون. تعتمد في هيكليتها على الانتماءات القبلية الكبرى، إذ توازن بين تحالفي الدراني والغلزاي لضمان عدم حدوث تمرد قبلي ضدها، هذا في مقابل إضعاف سلطة شيوخ القبائل التقليديين واستبدالها بسلطة المحاكم الشرعية.
تدمج الحركة بين انغراسها الإثني – القبلي ذي العمق الريفي، وبين التزامها الأيديولوجي – الديني بالصيغة “الديوباندية” المتشددة من المذهب الحنفي، المتمحورة حول فقه سد الذرائع – منع المباح درءا لوقوع الحرام – وبالأخص الديوباندية الجديدة – تلك التي أفرزتها دار العلوم الحقانية في الإقليم الباشتوني من باكستان – ولاية خيبر بختونخوا – وقد تحولت الى “جامعة جهادية” إبان الرعاية الباكستانية للجماعات المتمردة على النظام الشيوعي في كابل والتدخل السوفياتي المساند له – هذا في وقت باتت فيه دار العلوم “الأصلية” بديوبند – الهند تعبدية روحية أكثر فأكثر، وأبعد ما يكون عن السياسة. بالتصنيف الأيديولوجي المنتشر، تعد طالبان جزءا من الإسلام التقليدي، لا السلفي، وتلتزم بالعقيدة الكلامية الماتريدية الاستدلالية، ما يثير حفيظة السلفيين “الأثريين”. يقبل الديوبانديون الحقانيون من الطالبان بالتوسل بالنبي، وينتشر بينهم التصوف السني المنضبط، النقشبندي، القائم على الذكر الخفي لا الجهري. وعلى الرغم من إيوائها أسامة بن لادن وما جره ذلك من حرب عليها بعد هجمات 11 سبتمبر، إلا أن “الوهابية” تعد تهمة في أدبيات حركة طالبان، كما أنها تصف تنظيم الدولة “ولاية خراسان” بأنه على مذهب الخوارج.
تدفع الانتماءات التقليدية، إثنيا وقبليا وفقهياً، حركة طالبان إلى التفكير بإمارة إسلامية متشددة مرتبطة بالمجتمع الذي نشأت فيه، وليس بالانضواء الناشط في أممية إسلامية. ولهذا كان تحالفها مع تنظيم القاعدة مناقضاً لسماتها هذه. المشكلة أن “الإمارة الإسلامية في بلد واحد” ليست هي نفسها “الإمارة الإسلامية لقوم الباشتون”. صحيح أن قوم الباشتون يشكلون المكون الإثني الأكبر في أفغانستان. أقل بقليل من نصف مجموع السكان، وأنه منذ تأسيس الدولة الأفغانية الحديثة على يد أحمد شاه الدراني عام 1747 والعمود الفقري لهذه الدولة يتشكل منهم، وأن أفغانستان هي الى حد كبير الوطن الروحي والثقافي والسياسي للهوية الباشتونية، مع ذلك أغلب الباشتون يعيشون خارجها. عددهم في باكستان – حوالي 50 مليونا – أكبر بكثير من عددهم في أفغانستان. فمنذ رسم السير مورتيمر ديوراند الخط الحدودي الفاصل بين “الراج” البريطاني في الهند وبين المملكة الأفغانية نهاية القرن التاسع عشر ينشطر الباشتون على هذا النحو بين فضاءين، وبشكل يمزق النسيج القبلي. وبشكل مزمن، تعاملت أفغانستان مع هذا الخط على أنه صنيعة المستعمر. القاسم المشترك بين النظم الملكية والشيوعية والطالبانية في تاريخ هذا البلد يتمثل بالتبرم من خط الفصل هذا.
ما يزيد الأمور تعقيدا أن الباشتون في باكستان نزح قسم كبير منهم مع الوقت من المناطق المتاخمة للحدود مع أفغانستان ليس فقط الى البنجاب المجاور، بل إلى مدينة كراتشي على الساحل السندي، وهي اليوم أكبر تجمع مديني من البشتون حيث يقطنها سبعة ملايين منهم، وقد وقف هؤلاء، مثلما وقف بشتون باكستان بشكل عام إلى جانب ابن جلدتهم عمران خان، أسطورة الكريكيت ورئيس الوزراء الشعبوي الأسبق، القابع في السجن منذ ثلاث سنوات، والذي لا يمكن فصل عملية الإطاحة به بالشكل التي تمت فيه عن “المسألة الباشتونية” التي تؤرق الكيانية الباكستانية. التصادم بين عمران وبين العسكر حول أسلوب التصرف في منطقة القبائل وحيال أفغانستان لعب دورا أساسيا في الانقلاب عليه.
لقد راهنت المؤسسة العسكرية الأمنية في باكستان في تسعينيات القرن الماضي على حركة طالبان في مواجهة الميليشيات الإسلامية الطاجيكية والأوزبكية التي تنازعت أفغانستان بعد انهيار نظام الرئيس الشيوعي نجيب الله. راهن الباكستانيون على أن الهوية الإسلامية لطالبان ستخفف من هويتها القومية “الباشتونية”. خاب هذا الرهان. الغريزة الإثنية أساسية عند هذه الحركة. فهي تعمل يوما بعد يوم على “بشتنة” كابل. في العاصمة الأفغانية الكتلة الأكبر هي للطاجيك، وباشتون العاصمة هم تاريخيا يتحدثون الفارسية الطاجيكية، لسان الداري، وليس البشتو. وفيما تعمل الحركة على تبديل المعالم الإثنية واللغوية للعاصمة، لا تزال تتخذ من قندهار الباشتونية مقرا لزعامتها.
لا تنوي طالبان تصدير نموذجها للإمارة بقنواتها الخاصة على نحو أممي، لكنها تتعامل مع النطاق الجيو-إثني لانتشار شعب البشتون على أنه مجالها الحيوي المشروع. وهذا يحمل في طياته مشروع تفجير لباكستان. لا سيما بعد تزايد التعاون بين طالبان باكستان والمتمردين البلوش. أفغانستان من جهتها ليست بمنأى عن الصاعق التفجيري. فإذا كانت أفغانستان ستصبح مساوية لباشونستان يصبح السؤال عن مصير الطاجيك والأوزبك والهزارة فيه مطروحاً بقوة. في الماضي، بدءا من القرن الثامن عشر، انتشر مفهوم أفغانستان على حساب مفهوم جغرافي ثقافي كان له أهمية كبرى فيما مضى، خراسان. وفي القرن التاسع عشر، وبعد ضم هرات لأفغانستان، توزعت خراسان بين أفغانستان وفارس والإمبراطورية الروسية – آسيا الوسطى. كلما كانت الهوية الأفغانية تقرن بالانتماء الباشتوني، يصير إحياء “النوستالجيا الخراسانية” راهنا. والمفارقة أن تنظيم الدولة الإسلامية كان سباقا على هذا الصعيد.
ينظر باشتون أفغانستان الى أخوتهم من باشتون باكستان، ويحتجون من وقت طويل، على الحدود التي تفصل بينهم. في الوقت نفسه، هم غير قادرين على رؤية أن النسيج الإثني غير الباشتوني في أفغانستان نفسها هو منحى بالكلية عن السلطة والمشاركة.



