الأردن: “كوميديا التقاعد السوداء”

بسام البدارين

حرير- إذا أردت الاستمتاع وتسلية صيامك بـ “وجبات من الكوميديا السوداء” كل ما عليك فعله تتبع ومراقبة ردود فعل الأردنيين في التواصل الاجتماعي وحتى في سهرات رمضان على إعلان الحكومة الخاص بقانون الضمان الاجتماعي الجديد.

هنا حصرا وفي تلك المساحة تختلط “خفة الظل” بإبداعات “الطفر” و”السخط” بتعبيرات ساخرة لا تحفل بكل ما تقوله الحكومة عن “الدراسات الاكتوارية” كما يمتزج “التضجر” بـ”التململ” والاعتراض بالتلويح للنزول إلى الشارع.

الإصغاء للوزراء وكبار المسؤولين عبر إطلالاتهم التلفزيونية البهية ينتهي فورا بزراعة المزيد من الشكوك بدلا من اليقين وفي العمق الاجتماعي.

ومزاعم الوطنية وكرامة المواطن تبددها صورة الشعب وهو ينتظم في طوابير أمام المؤسسات الاستهلاكية وبالمئات أملا في الحصول على “عبوة زيت زيتون تونسي” سعرها في الواقع يقل فقط بنسبة”20 في المئة” عن سعر الزيت المحلي.

نقاشات توجه الحكومة لإلغاء التقاعد المبكر ورفع سن التقاعد من 60إلى 65 عاما للرجال ومن 55 إلى 60 عاما للنساء مغرقة بالرسائل العميقة والمفارقات.

أحدهم نشر في وقت متأخر وبعد 6 أيام من الجدل الصاخب والعنيف قائمة تمثل ما أعلنته سلطات الإحصاء ودائرة الأحوال المدنية رسميا عام 2023 حيث أن عمر الفرد الأردني بمعدله لا يتجاوز 62 عاما ذكورا وإناثا.

يعني ذلك أن المواطنين من مشتركي مؤسسة الضمان الاجتماعي حتما سيغادرون مسرح الحياة قبل استحقاقهم للراتب التقاعدي الأول بموجب ما تقترحه الحكومة من تعديلات قانونية.

طبعا تلك إحصائية قد لا تكون رسمية ولا دقيقة.

لكن الأهم سياسيا في دلالة استعارتها وتعميمها أنها تعكس سخرية مرة وحادة من سيناريو “الموت قبل التقاعد” ابتدعها بسطاء ردا على ما يعتبرون أنه هجمة حكومية على آخر ما تبقى من قروش في جيوب الفقراء.

المواطن هنا يصطاد مفارقته ولا ضرر في ذلك لأن ما تقترحه التعديلات القانونية معادلة “موتوا أولا ثم تقاعدوا”. المفارقة لم تقف في الواقع عند هذه الحدود.

مسار النقاشات حول التأمينات الاجتماعية اصطدم في عدة كمائن وأحجيات وتسبب- وهذا الأهم والأخطر- في فتح كل الملفات والجراح.

أحد المواطنين نشر ملصقا يدخل فيه شاب ما على والده وهو في ناقلة دفن الموتى … الفتى يهنئ والده وجثمانه برسم الصلاة عليه قائلا “يابا.. نزل أول راتب تقاعدي إلك”.

واضح لكل حصيف مخلص أن الأردنيين يرفضون تمديد اشتراكاتهم وأقساطهم الشهرية لصالح التقاعد بمعدل 5 سنوات مجانا ودون أن تقدم لهم الحكومة أي مكسب إضافي مقنع.

الأوضح أن القانون في شكله المعلن يحبط خطط تقاعد الأردنيين عموما فيما الكمين الأكثر خطورة وحساسية هو غياب التأثير المقنع للخلفية التي انطلقت منها الحكومة أو لجان التشريع فيها وهي تسن تلك النصوص التي أخافت الشعب وأقلقت النواب.

المعنى هنا: الخلفية غامضة وإن كانت الذريعة الأساسية المستعملة هي الدراسات الاكتوارية التي تحذر من مرحلة تفوق فيها التزامات مؤسسة الضمان الاجتماعي التقاعدية وارداتها من المشتركين.

أستاذة جامعية اقترحت على المعنيين إيجاد حلول أخرى لتجنب الكمين بمعنى “مساءلة” المسار الذي قاد الضمان الاجتماعي لوضعه المالي الحالي.

أحد الشبان نشر قصته الأولى في اشتراكات الضمان الاجتماعي ثم نشر صورة متخيلة لمتقاعد بعمر الـ60 في بلد مثل بلجيكا حيث بمجرد وصول العامل والموظف إلى سن التقاعد يجلس في مكان صحي ويوضع بين يديه خيار لكلفة سكن أقل بـ 20 إلى 30% من سعرها بالسوق.

لاحقا يحصل المتقاعد الستيني على تأمين صحي مجاني خلافا لفواتير مياه وكهرباء وغاز مخفضة ورحلة واحدة مع شريكه أو شريكته على حساب الدولة سنويا للتمتع بالشمس.

الشمس في الأردن بالأطنان والشعب لا يبحث عن “المتعة المكلفة” عموما.

ومن خطط لزيادة سقف الاشتراكات الزمني بهدف إنقاذ مالية واستثمارية مؤسسة معنية بالتأمينات الاجتماعية لم يخطر في ذهنه إطلاقا أن من يزيد العبء المالي على المواطنين البسطاء عليه تقديم أي نمط من أي صنف له علاقة بالرفاه الاجتماعي بعيدا حتى عن التراجع المعترف به في خدمات التعليم والصحة وارتفاع التضخم والأسعار وعدم زيادة الرواتب للسنة رقم 15 على التوالي. خطاب الحكومة في ملف التأمينات الاجتماعية لم يكن مقنعا.

والطريقة التي أديرت فيها الحوارات أقرب إلى فهلوة إعلامية فيها الكثير من العشوائية والارتجال والارتهان إلى خطاب استعلائي يستخف بالناس.

المسؤولون عن الملف ظهروا وهم يقايضون المواطن ويخيفونه.

الفارق كبير بين مقايضة مواطن أو إقناعه والعمل على استقطابه وإلحاقه بالمسيرة.

ما عرض على الناس عموما حتى اللحظة هو تلك المقايضة بمعنى إما رفع سن التقاعد بمقدار 5 سنوات أو تعرض مؤسسة معنية بالتأمينات الاجتماعية تديرها الحكومة في الواقع إلى خطر وجودي.

السؤال يصبح كيف يتوقع الوزراء نتائج إيجابية بعد خطاب وعظي استعلائي يقايض ولا يشرح بهدوء؟

الحكومة عموما عليها التوقف عن توقع نتائج إيجابية وهي تدير أولوياتها بصيغة بدائية تستند فقط إلى الفهلوة.

مقالات ذات صلة