
حين يتحدث السفير… ويغيب ميزان العدالة
بقلم الإذاعي شريف عبد الوهاب - رئيس الشعبة العامة للاذاعيين العرب
ليست الدبلوماسية مجرد كلمات تُقال في المؤتمرات، ولا بيانات تُنشر في العواصم. الدبلوماسية في جوهرها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وظيفة سياسية. وحين يتحدث سفير دولة كبرى بحجم الولايات المتحدة، فإن كلماته لا تُحسب على شخصه فقط، بل تُقرأ باعتبارها انعكاسًا لموقف دولة تدّعي الدفاع عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
لكن ماذا يحدث حين تتناقض الكلمات مع المبادئ؟
التصريحات التي تصدر أحيانًا عن السفير الأمريكي في إسرائيل تكشف عن معادلة مختلة؛ معادلة ترى أمن طرف واحد، وتتجاهل معاناة الطرف الآخر، وتختزل الصراع في رواية أحادية تتغافل عن جذوره التاريخية والقانونية والإنسانية.
الصراع ليس رواية واحدة
القضية الفلسطينية لم تبدأ بصاروخ، ولم تنتهِ ببيان. إنها قضية شعب يعيش منذ عقود تحت الاحتلال، وفق توصيف واضح في قرارات الأمم المتحدة. حين يتم تجاهل هذا البعد، ويتم تصوير المشهد وكأنه مجرد “دفاع عن النفس” من طرف واحد، فإن الحقيقة تُختزل اختزالاً مخلًّا.
إن الحديث المتكرر عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” يصبح ناقصًا حين لا يُستكمل بالحديث عن حق الشعب الفلسطيني في الحياة، وفي دولة مستقلة، وفي إنهاء الاحتلال. فالقانون الدولي لا يُجزّأ، وحقوق الإنسان لا تُنتقى حسب الهوية.
ازدواجية المعايير
أخطر ما في بعض التصريحات أنها تكشف عن ازدواجية واضحة في المعايير. حين تقع انتهاكات في أماكن أخرى من العالم، تسارع واشنطن إلى التنديد، وفرض العقوبات، والدعوة إلى احترام القانون الدولي. لكن حين يتعلق الأمر بإسرائيل، يتغير الخطاب، وتُخفف المصطلحات، ويُعاد تعريف الوقائع.
هذا التباين لا يمر مرور الكرام في وعي الشعوب. العالم اليوم لم يعد يتلقى الرواية الرسمية دون تمحيص. وسائل الإعلام، ومنصات التواصل، وتقارير المنظمات الحقوقية، كلها تنقل صورًا مغايرة للرواية الأحادية. وعندما تتعارض الصورة مع الخطاب، تتآكل المصداقية.
المسؤولية الأخلاقية قبل السياسية
السفير ليس ناطقًا باسم طرف في النزاع، بل ممثل لدولة يُفترض أنها تسعى إلى تحقيق الاستقرار والسلام. وحين يتحول الخطاب إلى انحياز مطلق، فإنه يفقد القدرة على لعب دور الوسيط، ويُسهم في تعميق الفجوة بدل ردمها.
الولايات المتحدة لعبت عبر عقود دورًا محوريًا في مسارات التفاوض، من كامب ديفيد إلى أوسلو. لكن أي دور مستقبلي في عملية السلام يتطلب استعادة الثقة. والثقة لا تُبنى بالانحياز، بل بالعدل.
القانون الدولي ليس خيارًا انتقائيًا
الاحتلال، والاستيطان، والحصار، كلها قضايا تناولتها قرارات صريحة من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. تجاهل هذه القرارات أو التقليل من شأنها يفتح الباب أمام عالم تحكمه القوة لا القانون.
إذا كانت الولايات المتحدة تؤمن بالنظام الدولي القائم على القواعد، فإن أول اختبار لهذا الإيمان هو احترام تلك القواعد حين تمس حلفاءها قبل خصومها. وإلا تحولت الدعوة إلى “النظام الدولي” إلى شعار بلا مضمون.
أمن من؟ وأي سلام؟
لا يمكن لأي طرف أن ينعم بأمن دائم في ظل غياب العدالة. التاريخ الإنساني يثبت أن القمع يولد مقاومة، وأن تجاهل الحقوق لا يلغيها. الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بحل جذري يعترف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ويضمن في الوقت ذاته أمن جميع شعوب المنطقة.
إن دعم حل الدولتين لم يعد مجرد شعار دبلوماسي، بل ضرورة سياسية وأمنية. وأي خطاب يتجاهل هذا الأفق، أو يفرغه من مضمونه العملي، يُبقي المنطقة رهينة دورات متكررة من العنف.
صوت الشعوب لا يُصادر
في العالم العربي، لم تعد القضية الفلسطينية ملفًا سياسيًا فحسب، بل قضية وجدان وكرامة. وأي خطاب أمريكي منحاز يُقرأ باعتباره استخفافًا بمشاعر ملايين البشر. وإذا كانت الولايات المتحدة حريصة على صورتها ومصالحها في المنطقة، فإن عليها أن تدرك أن احترام الوعي الجمعي للشعوب ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل مصلحة استراتيجية.
نحو خطاب أكثر اتزانًا
ليس المطلوب من السفير الأمريكي أن يتخلى عن دعم بلاده لحليفتها، فالعلاقات الدولية تحكمها المصالح. لكن المطلوب هو خطاب متوازن يعترف بالمعاناة الإنسانية على الجانبين، ويدين استهداف المدنيين أيا كان الفاعل، ويؤكد بوضوح أن الاحتلال لا يمكن أن يكون وضعًا دائمًا.
الاعتراف المتبادل بالحقوق، والالتزام الصريح بالقانون الدولي، والدفع الجاد نحو مفاوضات حقيقية، هي خطوات وحدها القادرة على إعادة الثقة.
في الختام
الكلمة الدبلوماسية ليست مجرد تصريح عابر. إنها رسالة إلى العالم. وحين تُقال الكلمة من موقع القوة، فإن مسؤوليتها تتضاعف.
إن الرد على تصريحات منحازة لا يكون بالصوت المرتفع، بل بالحجة الواضحة. ولا يكون بالاتهام، بل بالتذكير بالمبادئ التي تعلنها الولايات المتحدة نفسها: الحرية، والعدالة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
فإذا أرادت واشنطن أن تبقى وسيطًا مقبولًا، فعليها أن تتحدث بلسان القانون لا بلسان القوة، وبمنطق العدالة لا بمنطق الاصطفاف.
وحين يتحقق ذلك، ربما يصبح السلام في الشرق الأوسط أكثر من مجرد أمنية مؤجلة



