وثائق إبستين أو بيغ بانغ… الانحلال الأخلاقي – الروحي

حسين مجدوبي

حرير- إن ذكر اسم العالم الكبير ستيفن هوكينغ في الوثائق المريعة للمجرم إبستين يجعل من هذه القضية بمثابة «بيغ بانغ»، أي الانفجار العظيم الذي نتج عنه الكون، وفق نظرية هذا العالم. وعمليا، هذه الفضيحة هي حلقة ضمن الحلقات الجديدة لعالم يقوم جزء منه على الرذيلة وعلى مظاهر مستمرة.

وثائق إبستين التي كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية منذ أيام، معروضة للجميع في بعض وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن المعطيات، التي تهم كل شخص عن كل بلد وعن كل شخصية، لمعرفة هذا الأخطبوط العالمي من الفساد الأخلاقي الذي لا سابقة له. وهذه ثالث مرة يشهد فيها المجتمع العالمي خلال العقد ونصف العقد الأخير كمية مثل كمية هذه الوثائق، بعد وثائق ويكيلكس، التي كشفت فضائح الطبقة الحاكمة في العالم ومحيطها، ثم وثائق الحسابات السرية في البنوك السويسرية وبنما، وكيف يتهرب الحاكمون الذي يشرعون القوانين، تطبيقا لمقولة «من يضع القانون يضع قاعدة التحايل عليه».

اعتدنا في الفضائح التي تهز بعض الدول أو العالم، الاقتصار على أسماء مهربين، أو سياسيين منحرفين، لكن لا أحد كان يصدّق وجود أسماء تركت بصمات في المسيرة العلمية للبشرية في وثائق إبستين. كثيرة هي الأسماء، خاصة السياسية، الواردة في هذه الوثائق، التي حضرت في جزيرة «ليتل جيمس»، الواقعة في جزر العذراء الأمريكية، والتي لا تتعدى مساحتها 28 هكتارا، في وسطها مبنى كبير مثل فندق وبناية بقبة، يبدو أنها مستوحاة من تلك البنايات الدينية الأولى، التي كانت تعرف طقوسا غرائبية في عهد الحضارات القديمة جدا، هذه البناية/المعبد التي ستكشف الكثير من الأسرار. وما جرى في هذه الجزيرة هو «ميكرو فضيحة عالمية»، ونجد في بعض الدول أماكن «ميكرو فضيحة وطنية»، مثلما كان الحال مع الفيلا الشهيرة «سان مارتينو» في لامبورديا لرئيس حكومة إيطاليا الراحل سيلفيو بيرلوسكوني، واشتهرت باسم «بونغا – بونغا» بسبب الحفلات الماجنة التي كانت تحيى فيها. وشخصيا أتوقف عند اسمين من الأسماء المذكورة، الأول وهو ستيفن هوكينغ، الذي يعتبر عضوا في نادي كبار علماء الإنسانية، إلى جانب نيوتن وإنشتاين والخوارزمي. نعم، ما يثير الاستغراب هو حضور هوكينغ في الجزيرة الملعونة سنة 2006، للمشاركة في نشاط علمي حول الفضاء. وكيف تحولت مشاركته إلى عار بعدما بدأت تخرج إلى العلن الأخبار الأولى حول فرضية مشاركته في استغلال قاصرات.

ويعود الاسم الثاني إلى بيل غيتس صاحب ميكروسوفت ببرامجها المتعددة مثل، ويندوز الذي تقوم عليه أكثر من 90% من حواسيب العالم، ولا يمكن فهم القفزة النوعية للبشرية نحو العالم الرقمي، من دون شركته وبرامجه. وتروي وثائق إبستين كيف أصيب بيل غيتس بمرض جنسي بسبب معاشرته فتيات روسيات. إن ظهور هذه الوثائق بمثابة حكم بالإعدام المجتمعي على بيل غيتس، الذي سيكون من الصعب عليه حضور ندوات وتمويل مؤتمرات والدعوة الى مشاريع أخلاقية. ما جرى في الجزيرة الملعونة، ومن دون شك يجري في منتجعات أخرى بمستويات أكثر أو أقل خطورة، يقوم على تفسيرين مترابطين أشد الارتباط هو، المجون العقائدي لجزء من النخبة العالمية، ثم الابتزاز السياسي للتأثير على قرارات دولية. علاقة بالأول، عبر التاريخ، يمارس جزء مما يسمى بنخبة العالم طقوسا وممارسات المجون مرتبطة بتقاليد قديمة، تعود إلى حفلات طقوس الوثنية الكنعانية في منطقة الشام وبلاد الرافدين، وكذلك جيونيسوس وباخوس عند الاغريق القائمة على الخمر والرقص وممارسات غريبة، تبرر من الناحية الدينية بأنه «تحرير للروح». فهذه النخبة الغربية ليست مرتبطة فقط بالفكر الإغريقي مثل أرسطو وأفلاطون، بل حتى بالمجون الذي ظهر وقتها. هذه النخبة العالمية تعتقد أنها أصبحت فوق باقي البشرية، وتسمح لنفسها بممارسات تعتقد أنها تمنحها التميز عن باقي البشر الى مستويات غريبة جدا.

كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن دون شك ـ اعتمادا على تقارير المخابرات ـ عليم بما يجري من فضائح أخلاقية في الغرب، وحذّر من وجود نخبة منحلة لا جذور لها ووصفها بـ»عبدة الشيطان» في الكثير من خطاباته منذ سنة 2013. والمثير أن بعض التيارات الأمريكية المناهضة لمثل هذه الممارسات عادة ما تستشهد بموقف بوتين وكذلك الصين في هذا الشأن. وفي النقطة الثانية، الابتزاز، لا يمكن فصل ما يجري عما يطلق عليه «اعتقال النخبة العالمية» من طرف استخبارات عابرة للحدود تؤمن بالشيء نفسه، وتسير بالعالم وفق أجندة محددة، لأن ما يتم الاطلاع عليه الآن ما هو سوى النزر القليل من هذه الآثام الفظيعة، ذلك أن السنوات الأخيرة بدأت تفاجئنا بشكل مرعب. ومن ضمن ذلك مثال أركز عليه دائما وهو، تنفيذ منظمة وسط الحلف الأطلسي تسمى «غلاديو» لتفجيرات إرهابية في بلجيكا وإيطاليا منذ نهاية الستينيات إلى نهاية الثمانينيات وإلصاق التهمة بالشيوعيين، ولقي 491 شخصا حتفهم فقط في تفجيرات إرهابية في إيطاليا، أخطرها تفجير قطار مدينة بولونيا، الذي خلف 88 قتيلا. لنتساءل: ماذا لو قمنا بإعادة النظر في عدد من العمليات الإرهابية، ونقدم قراءة مختلفة تبدأ بالاستماع إلى صحافيين غربيين لهم شكوك حول الكثير من هذه العمليات.

إن غلاديو بدأت بشكوك، واعتبرتها الصحافة وقتها خزعبلات وتدخل ضمن فكر المؤامرة، لكن تبين العكس. عموما، إن هذه الفظائع بدأت كأخبار غير متأكد منها، رفضت وسائل الإعلام التي تسمى رصينة مثل «نيويورك تايمز» و»لوموند» و»واشنطن بوست، معالجتها تحت ذريعة أنها تدخل في إطار «المؤامرة»، والآن يتبين العكس. حول هذه الملفات، لا تبحثوا عن الخبر في مثل وسائل الإعلام هذه، لأنها في آخر المطاف بعض مسؤوليها متورطين في هذه الطقوس الغريبة، أو يتسترون عليها لأسباب غامضة حتى الآن، تكتفي وسائل الإعلام هذه بنوع من الإخبار، من دون بحث حقيقي عميق.

وهكذا، لولا مواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي لما تعرفنا على الكثير من الممارسات الغريبة، وحجم هذه الفضائح ومنها الجزيرة الملعونة لإبستين التي تعادل بيغ بانغ انحلال خلقي بمفاهيم كونية.

مقالات ذات صلة