
تفتيت المنطقة وإعادة تشكيلها
محمد عايش
حرير- الذين صدعوا رؤوسنا طيلة عامين متواصلين بالقول، إن ما يجري هو نتيجة لأحداث السابع من أكتوبر، لا بد أنهم أدركوا مؤخراً عدم صحة هذه الفرضية، ولا بد أنهم أدركوا أن ما يجري في المنطقة، هو مخطط أعد سلفاً وهو أكبر بكثير من قطاع غزة ومن أن يكون مجرد رد على العملية التي استهدفت الإسرائيليين في ذلك اليوم.
بات واضحاً أنه يتم تفتيت المنطقة وإعادة تشكيلها، وأنَّ ما يحدث في الأراضي الفلسطينية، سواء قطاع غزة، أو الضفة الغربية، ليس سوى إعادة تشكيل للمشهد الفلسطيني، وهو جزء يسير من إعادة تشكيل المنطقة بأكملها، بما يخدم المصلحة الإسرائيلية، وبما يجعل لتل أبيب اليد العليا على هذه المنطقة برمتها، وبما يجعل دولنا العربية لا تقوى على أي مواجهة مستقبلية مع الدولة العبرية.
وأغلب الظن أن ما يجري اليوم في المنطقة العربية هو استكمال لمخطط بدأ في منتصف عام 2020، عندما تم الإعلان عن «اتفاقات إبراهام»، وهي اتفاقات تطبيع مع إسرائيل اختلفت تماماً عن اتفاقات التسوية، التي وقعتها مصر والأردن سابقاً، حيث إن «اتفاقات إبراهام» كانت عملية انفتاح غير مشروط على الاحتلال واعتراف مطلق به، من دون أية مفاوضات سابقة، ولا شروط ولا حتى مكاسب سياسية أو سيادية.
إسرائيل تقوم بتفتيت المنطقة برمتها وتغيير شكلها بما يخدم مصالحها، وبدعم وغطاء من الولايات المتحدة، وهذا أصبح اليوم أوضح من أي وقت مضى، وبات واضحاً أن لا علاقة له بما حدث يوم السابع من أكتوبر 2023، بدليل أن سوريا -على سبيل المثال – التي تتعرض لاعتداء إسرائيلي يومي، لم تُطلق ولو رصاصة واحدة باتجاه الإسرائيليين، منذ توقيع اتفاق الهدنة في عام 1974، ومع ذلك فهذا لم يشفع لهم، بل إن إسرائيل انتهكت خطوط الهدنة المتفق عليها، واحتلت مزيداً من الأراضي السورية فور سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر عام 2024. ملامح الخطة التي تقوم بها إسرائيل في المنطقة يُمكن قراءتها في ما يلي:
أولاً: تسعى إسرائيل إلى التدخل في سوريا، بما يؤدي الى تقسيمها وتفتيتها وإنشاء ميليشيات عميلة لها داخل الدولة السورية، أو على الأقل أقليات تحتمي بالإسرائيلي، بما يؤدي إلى عرقلة بناء الدولة السورية الجديدة، وبما يؤدي إلى خلق كيان متنافر ومفتت ويعاني من الفوضى، ولا قيمة له على الأراضي السورية.
ثانياً: تريد إسرائيل ضرب حزب الله كلياً، وتأليب خصومه السياسيين داخل لبنان ضده، بما يؤدي الى انتهاء وجوده في الجنوب وسحب سلاحه وانتهاء أية إمدادات إيرانية له، بما يُحقق للاحتلال الأمن في الشمال، ويتيح له لاحقاً التوصل إلى اتفاق مهين مع لبنان يجعل منه تابعاً.
ثالثاً: تحاول إسرائيل فرض حصار على السعودية، التي هي أقوى وأهم دولة عربية، من أجل دفعها للتوقيع على «اتفاقات إبراهام»، ومن أجل تحقيق هذه الغاية يجري التآمر على اليمن لتقسيمه وتفتيته وتدميره، بما يُشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي عموماً، والأمن السعودي على وجه الخصوص، كما يجري التآمر على كل من السودان والصومال، من أجل تفتيتهما أيضاً وتدميرهما، وفي حال نجحت المساعي الإسرائيلية بهذا الصدد فهذا يعني أن إسرائيل أضعفت الدول العربية كافة بشكل مشترك، وغيرت خريطة المنطقة بشكل كامل.
رابعاً: تريد إسرائيل أن تخلق واقعاً جديداً مختلفاً في الأراضي الفلسطينية، بما يجعل من المستحيل مستقبلاً إقامة دولة فلسطينية، لا في الأراضي المحتلة عام 1967 ولا في الضفة الغربية وحدها، ولا حتى في قطاع غزة وحده. وأحدث المعطيات المتعلقة بالأراضي الفلسطينية هو ما كشفته «القناة 12» العبرية، أن الإمارات سوف تتولى التجارة وإدارة جميع الأسواق في قطاع غزة، كما ستتولى شراء جميع البضائع التي تدخل القطاع من إسرائيل، والاستعانة بمقاولين إسرائيليين، وسترسل قوات لتأمين كامل البنية التحتية اللوجستية التي سيوفرونها. وهذا يعني في نهاية المطاف أن إسرائيل لم تعد تعترف بالسلطة الفلسطينية، ولا منظمة التحرير، ولا تريد التعامل معهما بأي شكل من الأشكال، كما لا تريد للسلطة أن تعود إلى غزة.
ما يحدث إذن هو أنه يتم تفتيت المنطقة العربية وإعادة تشكيلها، ويتوسع الاحتلال الإسرائيلي في كل الاتجاهات من أجل تحقيق أكبر سيطرة على المنطقة.



