
حقيقة غزه في عقل دونالد ترامب
عماد عيساوي
غزة في عقل دونالد ترامب ليست قضية ولا جرحًا ولا مأساة. غزة قطعة أرض فشلت إدارتها السابقة، مشروع خاسر يحتاج إلى “إعادة هيكلة” سكانه ليسوا شعبًا بل عائقًا تشغيليًا، رقمًا زائدًا في خانة التكاليف وهذا ليس استنتاجًا أخلاقيًا بل قراءة حرفية لمنطق الرجل وسيرته وخطابه.
ترامب لم يبنِ إمبراطوريته بالرحمة ولا بالوهم بل بناها بالطرد بالإفلاس المتعمّد بشراء الخرائب ثم بيعها كـ”فرص ذهبية” و غزة بالنسبة له أتلانتيك سيتي بعد الحريق، مانهاتن قبل التنظيف العرقي الطبقي، قطعة لحم يجب أن تُغسَل ثم تُقدَّم للسوق.
حين يتحدّث عن السلام فهو يتحدّث كسمسار لا كزعيم السلام عنده ليس إنهاء الظلم بل تأمين و الاستثمار ليس عودة الحقوق بل إزالة المخاطر وأخطر المخاطر في غزة ليس الصواريخ بل البشر الذين يتذكرون، البشر الذين يطالبون ، البشر الذين يرفضون أن يكونوا ديكورًا سياحيًا فوق مقابرهم لهذا لم يكن القصف عبثًا ولم يكن التدمير زائدًا عن الحاجة. كان تنظيفًا خشنًا و إزالة بنية تحتية بشرية ونفسية كي تصبح الأرض “قابلة لإعادة التطوير” تمامًا كما تُفرَّغ الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى تحت عنوان التحديث.
الوقاحة الحقيقية ليست في فكرة “ميامي الشرق الأوسط” بل في التصفيق الصامت لها و في حكّام عرب يعرفون أن المشروع يعني شطب الفلسطيني سياسيًا مقابل صورة تذكارية ومقعد في نادي “السلام” و في نخب دولية تعرف أن ما يجري سرقة علنية لكنها تفضّل لغة البيانات الناعمة لأن السرقة مربحة في عالم حقوق إنسان ينهار فور اقتراب المال. هذه ليست مؤامرة، هذه سوق، سوق مفتوحة و من لا يدفع يُقصى ومن يعترض يُتَّهم بالتطرف ومن يُذبح يُطلب منه الصبر.
ترامب لا يحتاج أن يحتل غزة يكفي أن يحوّلها إلى شركة. مجلس إدارة دولي بتمويل خليجي و أمن إسرائيلي تحت إشراف أمريكي وفلسطيني مُعاد تعريفه كعامل موسمي أو لاجئ دائم أو ذكرى ثقافية تُعرض في متحف صغير قرب الميناء،هذا هو السلام الجديد، سلام بلا شعب و دولة بلا سيادة و إعمار بلا عدالة و استثمار بلا أخلاق.
ومن يرفض هذا النموذج يُوصَم بالجنون أو الإرهاب أو عدم الواقعية وكأن الواقعية هي أن تقبل أن تُمحى بأناقة.
أقذر ما في المشهد أن كل شيء يُقال علنًا بلا خجل بلا خوف لأن ميزان القوة يسمح و لأن العالم تعوّد و لأن الدم العربي والفلسطيني صار مادة استهلاكية و صورة تُستعمل ثم تُرمى. ترامب لا يختبئ لأنه يعرف أن أحدًا لن يوقفه و يعرف أن الوقاحة حين تصبح نظامًا لا تُعاقَب بل تُكافَأ.
وغزة إن تحوّلت إلى “ميامي” فلن تكون انتصارًا لأحد بل شهادة وفاة لعالم قرر أن يبيع آخر ما تبقّى من معنى مقابل منتجع وأن يسمّي الجريمة سلامًا إذا كانت مربحة بما يكفي.
هذه ليست نبوءة هذه قراءة فاتورة والفاتورة دائمًا تُدفَع من لحم الضعفاء.
الأستاذ عماد عيساوي



