حين تتكفّل الضحية بتبرئة جلادها

سهيل كيوان

حرير- اعتاد إعلام الاحتلال الإسرائيلي على اصطياد أصوات فلسطينية، أو عربية تشكك في صدقية القضية الفلسطينية، ونهج القيادات أو حتى بالشعب وقدرته على إدارة قضيته، وبالتالي تحميل الضحايا مسؤولية ما جرى ويجري لهم من كوارث، وتبييض صفحة من صفحات الاحتلال السوداء الكثيرة جداً. يحتاج هذا الإعلام المؤَدلَج إلى شخصيات من داخل مجتمع الضحية، ليشهد شهادة زور، ليس بالضرورة أن تكون عميلة، ولكنها تقوم بالدور بسذاجة وغباء حيناً، وحيناً مع سبق إصرار وترصّد، أو حتى من باب الترفيه وحب الظهور والبقاء تحت وهم الأضواء.
فجأة يستضيف الإعلام شخصاً فلسطينياً لا قاعدة شعبية له، وليس لديه أي طرح سياسي بديل لما هو قائم، يجري نفخه بصورة كاريكاتيرية ووصفه بالصوت الجريء «من خارج الصندوق والمغرّد خارج السّرب»، وإذا كان يتابعه بضعة آلاف على التيك توك وغيرها، بهدف الترفيه أو لاعتقاد بعضهم أنّه «محروق» على القضية، يصوّرونه بأنّه من كبار المؤثرين في العالم العربي وله ملايين المتابعين الخ.
أحد هذه الشخصيات رجل من أصل فلسطيني يعيش في أمريكا، ليس لديه أي محتوى يقدّمه سوى الشتائم والسّخرية من أبو مازن والسلطة الفلسطينية بصورة مبتذلة جدا، وبلا أي هدف أو طرح بديل. كان له متابعون في بدايته بسبب طريقته المكشوفة، ولكنه سرعان ما تآكل لأنّه لا يقدم شيئا حقيقياً، أو جديداً. لا نقول أن هذا الشخص عميل بالمعنى التقليدي للعميل، ولكنه يمارس دوراً يضرُّ بشعبه ويشكك بقيادته ويحقّرها، ويلتقي بهذا مع ممثلي إعلام الاحتلال وأكثرهم تطرّفاً وتحريضاً، فأحد الّلذين عانقاه واستقبلاه في القناة i24NEWS قبل أيام، دعا إلى قتل مئة ألف فلسطيني في قطاع غزّة، وحجته أن هذه اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب، القتل ثم المزيد من القتل، ويقدّم نفسه بصفته من أصول شرقية (عراقية) يفهم الشّخصية العربية العنيفة، والتي لا يمكن التعامل معها بالوسائل الحضارية المعاصرة. وكي يبرر «فهمه العميق» للعرب والمسلمين فإنه يجتزئ من الإسلام حديثاً، أو آية، أو موقفاً ليدّعي أن الإسلام «دين عنف»، ويدعو إلى القتل واستباحة غير المسلمين. في هذا السياق، يغدو «الضيف» مجرّد أداة في مشهد مُعدّ سلفًا، حيث يتقاطع هجومه على الفلسطينيين، مع خطاب قائم على التشكيك بالشرعية الوطنية، وتفكيك الإجماع الفلسطيني، ليُستثمر كدليل زائف على أنّ المشكلة ليست في الاحتلال وسياساته، بل في الفلسطيني والعربي والمسلم ذاته. كثيرا ما نسمع من يقول «نحن نستحق ما يجري لنا…لأن قيادتنا عميلة»، أو «القيادات العربية كلها خائنة».. «نحن شعب منحلٌ، فقدنا أخلاقنا ولهذا يعاقبنا الله»، وكأنّ الحركة الصهيونية ملتزمة بالأخلاق الحميدة.

في رواية «المتشائل» لأميل حبيبي يقول أحد الضحايا بسذاجة، إنّ أهل طيرة حيفا استحقوا ما جرى لهم من تشريد وقتل لأنهم كانوا يغشّون الحليب بالماء. حتى التجويع وجرائم الحرب وجد البعض لها تبريراً «لأنّنا لم نقدر النّعمة التي كانت بأيدينا». وتجد البعض ينشر مقاطع فيديو قديمة لقطاع غزة كيف كان قبل الحرب الأخيرة، ليس بهدف إبراز همجية الاحتلال غير المسبوقة في العصر الحديث، بل للقول إننا لم نحافظ على النعمة الكبيرة التي كنا غارقين فيها، ولم نحفظها، بمعنى آخر تحميل الضحايا وزر ما جرى لهم. منذ نكبة عام 1948 ألقت الحركة الصهيونية المسؤولية على الحركة الوطنية الفلسطينية، وأنّ الحاج أمين الحسيني زار برلين وتحالف مع هتلر، بل ذهب بعضهم إلى الادعاء بأنّه حرّض هتلر على إبادة اليهود، لتبرير قتل الفلسطينيين وتشريدهم من وطنهم واحتلال بيوتهم. طبيعي جدا أن يلجأ أي احتلال إلى تبرير عدوانه، على الأقل لأجل البروتوكول، ويفضِّل وجود شهود زور، وخصوصا من الضحايا أنفسهم. فهذا سلاح موجّه إلى منتقدي الاحتلال من الخارج، أو حتى من الداخل إذا وُجد كهؤلاء، بمنطق «وشهد شاهد من أهلها»، فأنت أيها الأوروبي المتضامن مع الفلسطينيين اسمع ما يقوله هذا الفلسطيني عن قيادته التي أوصلته إلى الكارثة. وأنت أيها الجنوب افريقي الذي تريد محاكمة نتنياهو، اسمع ماذا يقوله هذا العربي عن العرب والفلسطينيين، وأنت أيها الإسرائيلي الذي تتهم حكومتك بالفاشية وارتكاب جرائم حرب، اسمع ما يقوله الفلسطيني عن نفسه. هكذا بدل أن يُصبَّ الغضب على الاستعمار وامتداده التاريخي المتمثل بالحركة الصهيونية وأطماعها المُعلنة، يتحوّل إلى غضب داخلي يهاجم القيادة والمجتمع والتاريخ وثقافة الضحايا أنفسهم، وتبييض صفحة الاحتلال. في العقدين الأخيرين صارت وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا مركزياً في التأثير على الرأي العام، فالخوارزميات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن التفاعل. وممكن لرأي تافه، أو حركة بذيئة أن تكون أكثر مشاهدة ومتابعة من فيلسوف أو محلّل ومفكّر سياسي. يتحول الخطاب الشعبوي والمسخرة إلى بضاعة رائجة، والشتائم إلى بديل عن السّياسة.

في هذا السياق، يصبح استقبال أصوات سطحية وتافهة في الإعلام الإسرائيلي مفهوما، لا بوصفه اعترافا بها، بل بوصفه مستخدما لها، ولكل مرحلة «نجومها» من هذه الشريحة.

الإعلام الإسرائيلي لا يستضيف فلسطينيا ليقدّم رواية مضادة لرواية الاحتلال، فدَورُ هذا الإعلام ليس البحث عن الحقيقة، ونقد الواقع، لأنه يعرف إلى أين تصل الحقائق إذا ما تتبع أصولها بصدق. لهذا ينحصر دوره في التبرير، وكي يبرر عليه أن يشوّه وأن يزيّف، وأن يصطاد فلسطينياً يردح للفلسطيني وعن عربي يردح للعرب. يُمنحُ الرّداحُ المناوبُ منصّة، شرط أن يعمل من نفسه غبياً ويتغافل عن سبب البلاء، وأن يصبَّ غضبه على الفلسطيني، مرّة لأنه تحالف مع هتلر، ومرّة لأنه رفض قرار التقسيم، ومرة لأنه لحق «التطرف والظلامية»، ومرة لأنّه تحالف مع اليسار الشيوعي والملحدين، ومرة لأنه خدم الديكتاتور القومي أو البعثي، ومرّة لأنه معتدل أكثر من اللازم، فما من مأخذ على أبو مازن سوى أنّه معتدل أكثر من المقبول على الحركة الصهيونية.

لا أظن أن هناك نظاما في العالم أو في التاريخ يحترم العملاء، فالقاعدة هي أنّ من يخون شعبه يخون الآخرين. ومن يخون لأجل مال سيجد من يدفع له أكثر. لكنهم يحتفون بالدور التخريبي التشكيكي الذي يؤدّيه العميل ويمنحونه منصّة مؤقتة، لمرة واحدة أو لبضع مرات. يجري تضخيمه لحظة، ثم يلقى به إلى القمامة عندما يُستنفد، فالعميل أو شبه العميل ليس شريكاً بل أداة. في كلّ تجارب الاستعمار والاحتلال ظهرت شخصيات من داخل الجماعة المنكسرة، تهاجم مجتمعها باسم «الجرأة وقول الحقيقة»، بعضها حقيقي هدفه الإصلاح وتقويم المسيرة، وبعضها يمارس شجاعة كلامية بلا ثمن، وبلا مشروع، وشرعية مستمدة من منبر المحتل والجلاد. الحلال بيّن والحرام بيّن وواضح بين النقد الوطني المسؤول الهادف إلى الإصلاح، أو طرح بديل سياسي واضح، وبين الرّدح الذي يتحوّل سريعا إلى خدمة مجانية لإعلام الاحتلال.

مقالات ذات صلة