احتجاجات إيران… محطات واحتمالات

محمد جميح

حرير- في 1999 أغلقت السلطات الإيرانية صحيفة سلام، ذات التوجهات الإصلاحية، الأمر الذي أشعل موجة احتجاج في أنحاء البلاد آنذاك، غير أن هذه الحركة قُمعت بشدة، ولا يزال بعض المعتقلين مخفيين، إلى اليوم. بعد عشر سنوات اندلعت احتجاجات «الحركة الخضراء» الواسعة، بعد اتهام الإصلاحيين بزعامة مير حسين موسوي ومهدي كروبي معسكر الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد بتزوير الانتخابات لصالحه، استمرت الاحتجاجت لعدة أشهر، قبل أن تقمعها قوات النظام التي وضعت موسوي وكروبي قيد الإقامة الجبرية.

كانت حركتا الاحتجاج في 1999 و2009 ذات طابع سياسي، غير أنه وبعد عشر سنوات أخرى، في 2019 بدأت حركة احتجاج جديدة في الأحواز العربية في إيران، حيث اندلعت الاحتجاجات بسبب رفع الحكومة أسعار الوقود، ثم امتدت الاحتجاجات لتشمل معظم المدن الإيرانية الكبيرة، قبل أن يقمعها النظام، بقتل وجرح واعتقال عشرات الآلاف، وفيها ظهرت دعوات لإسقاط المرشد علي خامنئي، ضمن أوائل السياقات التي تمس فيها حركات الاحتجاج مكانة المرشد، إذ كانت من قبل تصب غضبها على السلطات التنفيذية في البلاد.

بعد 2019، ومع تردي الوضع الاقتصادي كانت الظروف المعيشية هي الشرارة التي تقدح لهب الاحتجاجات، غير أن «القدحة المعيشية» لا تلبث أن تتحول إلى لهب يجتاح المدن الإيرانية بشعارات تتحول مع الزمن من الحقوق المطلبية إلى الحقوق السياسية، كشأن معظم حركات الاحتجاج، وصولاً إلى 2022 حين قتلت تحت التعذيب – في أحد مراكز شرطة النظام في طهران – الفتاة الإيرانية الكردية، مهسا أميني، فاندلعت – على الأثر – حركة احتجاج أعنف وأقوى وأكثر جرأة في المساس بالمرشد علي خامنئي والمنظومة الدينية الحاكمة، قبل أن تقمع قوات الأمن هذه الحركة التي استمرت عدة أشهر.

ومع نهاية العام المنصرم – وإلى اليوم – وبسبب تدهور سعر العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، اندلعت موجة أخرى من الاحتجاجات عمت معظم المدن الرئيسية في إيران، بما في ذلك طهران وتبريز ومشهد وكرج وغيرها، واستهدفت الرموز الأمنية والدينية والآيديولوجية والسياسية للنظام، وارتفعت وتيرة المطالبات الصريحة برحيله، في إدراك عميق لأساس المشكل الذي يتمثل في نظام، يرى كثير من المراقبين أنه يستنفد شروط بقائه بشكل متسارع، خلال السنوات الأخيرة، لعدة عوامل داخلية وخارجية.

ما الجديد في حركة الاحتجاج الحالية؟

الجديد هو أنها جاءت بعد متغيرات كبيرة في الشرق الأوسط، بعد «طوفان الأقصى»، وبعد حرب الإثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران، الأمر الذي سوغ للنظام – بشكل أكبر – ربط حركة الاحتجاج الحالية بكل من أمريكا وإسرائيل، خاصة بعدد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل إذا قمع النظام المتظاهرين. وعلى الرغم من تهديدات ترامب إلا أنه يصعب قبول رواية النظام، بارتباط المحتجين بالاستخبارات في أمريكا وإسرائيل، إذ لا يوجد دليل على ذلك، كما أن الفرق كبير بين كون دولة ما تريد دعم حركة الاحتجاج، لسبب أو آخر، وكون بواعث هذه الاحتجاجات داخلية، سياسياً واقتصادياً، وهي البواعث أو المطالب التي يلتف عليها النظام – في كل مرة – بوعود للمحتجين، بالعمل على إصلاحات، لا ترى النور أبدا.

وكما لجأ النظام إلى ربط حركة الاحتجاج بالخارج، وربطها بالإرهاب وداعش روج أنصاره – كذلك – لفرضية أخرى، وهي أن سقوط النظام سيحدث زلزالاً مدوياً، لا يمكن التنبؤ بمآلاته، على إيران والمنطقة، محذراً من أن سقوطه يعني الفوضى والإرهاب، وغيرهما من فزاعات الأنظمة الديكتاتورية، عندما تستشعر الخطر. كما زعمت المنابر الإعلامية ذاتها بأن هذا السقوط سيأتي بنظام سيكون حليفاً لإسرائيل، وهذا سيؤثر – سلباً – على القضية الفلسطينية، وسيجعل التطبيع مع إسرائيل يتسارع بصورة أكبر، وسيعمل على تطويق المنطقة العربية من الشرق بنظام متحالف مع إسرائيل، كما كان نظام الشاه، وهي دعاية موجهة للجوار العربي، بشكل خاص.

ويكمن ضعف هذه الفرضية – لدى خصوم النظام – في كون إسرائيل استفادت من عداوة نظام خامنئي أضعاف ما استفادته من صداقة نظام الشاه، لأن النظام الحالي هو الذي مهد الطريق، من خلال الفتن الطائفية التي نشرها في الدول العربية، مهد الطريق لهذا التغول الإسرائيلي الذي لم تستطع إيران مواجهته. ثم إن النظام البديل – من وجهة نظر خصوم النظام داخل وخارج إيران – يكفي أن يكون نابعاً من إرادة الإيرانيين، ليكون نظاماً منسجماً مع شعبه ومع محيطه العربي والإسلامي، إذ من الصعب أن يأتي نظام حليف لإسرائيل التي ضربت منشآت مدنية إيرانية، وهي منشآت تخص الشعب الإيراني الذي لا يمكن تصور رضاه عن مهاجمة تل أبيب لمنشآته، أو رضاه عن أي نظام يمد يد التحالف لإسرائيل، ويعيد منظومة «حلف بغداد» القديمة، كما يروج نظام طهران اليوم.

ومع كل ذلك، تبقى الأوضاع في إيران مفتوحة على احتمالات متعددة، فالمحتجون يصرون على رحيل النظام، وهذا احتمال وارد، حتى وإن لم يتم هذه المرة، وهو احتمال يتداخل مع احتمال ضربة عسكرية أمريكية محدودة، غير أن مآلاتها وأثرها على كل من النظام وحركة الاحتجاج لا يمكن التنبؤ بها، إذ يمكن أن تكسب النظام مزيداً من المشروعية، وربما استغلها لتعامل أكثر وحشية مع حركة الاحتجاج، غير أنها يمكن أن تؤدي إلى إسقاطه. وهناك احتمال آخر بالتوصل إلى صفقة نووية مع الغرب والولايات المتحدة تنقذ النظام إلى أمد معين من السقوط، واحتمال آخر يتمثل في اجتياز النظام لمحنته الحالية، دون ضربة أمريكية، ودون صفقة نووية، ولكن مع ارتخاء قبضته الأمنية، ما يهيئ الظروف لمزيد من الاحتجاجات المستقبلية التي ستؤدي إما إلى إسقاط النظام، أو إلى تغيير سلوكه، كما ترغب بعض التوجهات في الدول الغربية التي تفضل خيار تغيير سلوك النظام، وإعادة تأهيله، على خيارات إسقاطه الذي يتخوف كثيرون منه حال حدوثه.

مقالات ذات صلة