بؤس الشعبوية في السياسة

انتعشت، في السنوات الأخيرة، في مجتمعاتٍ كثيرة، وفي كل القارات، ظاهرة الشعبوية السياسية. وترتَّب عن هذا الانتعاش بروز جملةٍ من الظواهر المرتبطة بتحوّلات المجال السياسي، وتحوّلات القيم في المجتمعات التي برزت وتنامت فيها الظاهرة المذكورة. وإذا كانت مخاطر هذه الظاهرة عديدةً في المجتمعات الديمقراطية، فإنها تتضاعف في المجتمعات غير الديمقراطية، لتقدّم نفسها بديلا لما تعتبرها مؤامرات النخب، ومخططات الأنظمة السائدة والأحزاب المهيمنة.
تزداد خطورة هذه الظاهرة، عندما نتبيَّن أن المبادئ الكبرى لخياراتها في السياسة تقوم على موقفٍ مناهضٍ لمجمل مكاسب المجال السياسي الحديث والمعاصر، والمقصود العقلنة والمأسسة، ثم المشاركة والتناوب.. إلخ.. حيث يُعادي الشعبويون النخب والفكر النخبوي، في مقابل تغنيهم بجملةٍ من المواقف العفوية التي يرون أنها أقرب إلى روح الشعب وتطلعاته.
نُعَايِن في المشهد السياسي المغربي حضوراً مكثفاً لأكثر وجوه الشعبوية بؤساً، حيث تنتعش في السنوات الأخيرة لغةً غير مألوفة في الخطاب السياسي. وإذا كان مؤكّدا أن اتساع مجال اللغة في فضاءات التواصل الاجتماعي يدفعنا، أكثر من أي وقت مضى، إلى الانتباه إلى صور الانفلات التي يمكن أن تنتج عنها في بنية الثقافة السياسية وفي المجتمع، من أجل العمل على ضرورة تركيب مواجهاتٍ نقديةٍ لمحاصرة الظاهرة، ومحاصرة صور البلاهة التي تعمل على نشرها وتعميمها.
ولا بد من التوضيح هنا أن خطابات الشعبويين تزداد في زمنٍ نتصوّر فيه أن مجتمعنا يتّجه إلى ترسيخ قيم العقلنة والمأسسة، وربط المسؤولية بالشفافية والحكامة ثم المحاسبة، حيث لا

مجال للمحسوبية والزبونية والرّيع السياسي. لكن ما علاقة القيم التي ذكرنا بخطابات البلاهة والهذيان؟ وهي الخطاباتُ التي تمتلئ بالضجيج الذاتي المترنّح.. حيث يتم الحرص على تلوين الخطاب بالطرائف والحكايات، بَدَل الحجج والمعطيات المرتبطة بالقضايا موضوع الحديث، وهي، في الأغلب، قضايا إما لا علاقة لها بأسئلة الحاضر وتحدّياته، أو قضايا يتم فصلها عن جذورها وأبعادها السياسية والتاريخية، بهدف إفراغها من محتواها السياسي، وما تتطلبه من معارك كبرى، لمواجهة الاختلالات التي تشير إليها.
غذَّت خيارات الإسلام السياسي أكثر المظاهر السياسية شعبويةً، فأصبحنا أمام تبسيطٍ غريبٍ لكثير من أوجه الممارسة السياسية، حيث يكتفي الفاعل السياسي بترديد الشعارات، وإغراق المشهد السياسي بثنائية الخير والشر وأخواتها، من قَبِيل الأبيض والأسود، والحلال والحرام، والصدق والكذب.. وذلك من دون انتباه لصور تَعَقُّد بنية المجال السياسي، وتداخل مكوِّناته. ولم تسمح عفوية الخطاب، وكذا تناقضاته وطرائفه، كما تتجلى في الموجة الشعبوية داخل وسائط التواصل الاجتماعي، بإدراك الطابع المركَّب للظواهر والقضايا موضوع النقاش، الأمر الذي دفع التيارات الشعبوية إلى الاهتمام بالعارض على حساب جذور القضايا، وضخامة التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يواجهها مجتمعنا.
تميل الخطابات الشعبوية إلى توظيف آلية الشحن بالشعارات، مع التركيز على جملةٍ من المبادئ، ذات الحمولة الأخلاقية والدينية، ولأن الشعبوي يقدّم نفسه، كما أشرنا، بديلا للنخب والمؤسسات، معتقداً بحكم أنه يحمل وحده الحقيقة واليقين، وأنه مكلفٌ بالعناية بمختلف التطلعات الشعبية، فإنه يتحوّل بسهولةٍ إلى داعيةٍ يستطيع الانتصار على كل الإكراهات التي يواجهها مجتمعه بالكلمات والأدعية. إنه لا ينتبه إلى أنه لا علاقة للغة القطع واليقين بالمجال السياسي المتحوِّل والمتحرّك، المركَّب والمتناقض.. وأن الجهود الفردية، مهما عظمت، لا تنفع في زمنٍ تَحَوَّلَت فيه المجتمعات إلى مؤسساتٍ وتنظيمات، وأصبحت المبادئ جملة من الإجراءات الخاضعة لتوافقات مرحلية.
لا يتردّد الشعبويون في مواجهة النخب الاقتصادية والسياسية وطلائع المثقفين، وذلك في مقابل ثنائهم على عموم الشعب والفئات المهمّشة، وتدفعهم قلة التجربة وضحالة المعرفة إلى التخلي

عن مكاسب ومبادئ كثيرة لا يستقيم العمل السياس من دونها، ولا يتطور.
يواجه المشهد الحزبي في المغرب وباء المنزع الشعبوي، وقد تحوّل إلى ظاهرةٍ مرضية، وأنتج، على هامش خطاباته، وفي تفاعل معها، ظواهر غير مألوفة في الحقل السياسي المغربي. خطورة ما يتم تداوله اليوم من شعبوياتٍ بئيسة تتمثل في شخصنتها المرعبة للظواهر، وعدم خجل المتحدّثين بلسانها من إطنابهم في الحديث عن ماضيهم وأسرهم وأبنائهم، باستخفافٍ كثيرين بقيم السياسة والتاريخ، وقيم العمل المؤسسي، إضافة إلى نوعية الموضوعات التي يخوضون فيها، حيث يتم تغييب الأسئلة والتحديات التي يواجهها المواطن، في مقابل استحضار أمجاد ذاتية، خطاباتٍ عن بطولاتٍ يعرف الجميع اليوم أنها أضغاث أحلام، وأن وظيفتها التنفيسية لا تساعد على مواجهة أسئلة التعليم والشغل والعدالة الاجتماعية في بلادنا.
يزداد بؤس هذه اللغة وبؤس شعاراتها، في مشهدٍ حزبيٍّ تعاني تعدّديته اليوم من مآزق عديدة، تتمثل في تراجع اليسار وتشرذمه، واكتفائه بردود الفعل، بدل المبادرة والانتفاض على أعطابه. كما تبرز في ظاهرة التطبيع مع أحزاب الإدارة، الأمر الذي سيؤدي إلى تفاقم أزمات مجتمعنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة